fbpx
بانوراما

الجامعـة… فرصـة لبنـاء الـذات

الهيني… رفعت الجلسة
الحلقة 7

يقال إن عمر الإنسان لا يقاس بعدد السنين التي مضت منه بقدر ما يقاس، بما عاشه من تجارب، وما سطر في حياته من مراحل بعضها مضيء والآخر مظلم. بين الأمل والرغبة في التحدي، عاش محمد الهيني، القاضي السابق، تجارب مثيرة بصمت حياته، بدءا من الطفولة والبعد عن حضن الأم، والاستقرار بدار للأيتام، ثم العودة إلى حضن الأسرة ومواصلة المسيرة الدراسية التي توجت باعتلاء مقعد القاضي المدافع عن الحقوق والحريات، لكن القدر شاء مرة أخرى أن يخطف منه تلك الفرحة. هي قصة كفاح يحكيها محمد الهيني، كفاح من أجل البقاء في مجتمع لا يؤمن إلا بلغة القوي، تماما مثل قانون الغاب.

إعداد : كريمة مصلي
لقد شكلت الجامعة فضاء جديدا بالنسبة إليه. كان الحماس يملأ القلب وكان نشيطا جدا حيث أتاحت له الجامعة فرصة بناء الذات وصقل المواهب في الفكر والتحليل، “اعترف أن البداية كانت موسومة برغبة قوية في اكتشاف أسرار الجامعة عبر الطلبة القدامى و الذين راكموا تجربة مهمة في الفهم والاستيعاب”.
وكانت المحاضرات بالنسبة إليه بحرا عميقا ومفتوحا و من حسنات شخصيته أنه كانت له علاقات متنوعة مع الكثيرين، إذ اندمج بعمق في نسق علائقه.
و يسجل الهيني أن مكتبة الكلية كانت فضاء جدابا بالنسبة إليه، إذ غالبا ما كان يجد مكانا له بين رفوف المكتبة و يتأمل بنظرة عميقة، «أنا الذي كنت أعجز عن اقتناء كتاب مدرسي يتيم على غرار زملائي، ها أنا ذا بين آلاف الكتب و أمهات المراجع . لقد تأكدت بالملموس أن الإرادة تصنع المستحيل؛ وهكذا أصبحت امتلك ناصية التفاؤل في مواصلة الحفر المعرفي من أجل بناء شخصية تليق بي»، و لا ينسى تلك الحلقيات التي كانت مجالا خصبا وأداة لبناء تحاليل فكرية و بمختلف المشارب الإيديولوجية. إنها أول احتكاك له بفنون “البوليميك”. كان يتنقل بين حلقيات اليسار و نظريات ” كارل ماركس ” ورفيقه “فريديريك انجلز”، فهم معنى الماركسية وأدوات الصراع الطبقي وفهم معنى الدياليكتيك كما قعد له فلاسفة كبار من طينة ” لودفيغ فيورباخ ” و” فريدريك هيغل ” . هكذا كانت له ترسانة من المصطلحات وجهازامفاهيمي مركب.ورويدا رويدا بدأ يستوعب معنى التكوين النظري المستند على قواعد التحليل والتفكيك بناء على براديغمات علمية و بتصورات ابيستيمولوجية رصينة .
ومن باب تحري الصدق يعترف أن حضوره لحلقيات الرفاق والتي أسالت لعابه بفضل نقدها القوي لآليات اشتغال السياسة الاقتصادية، سيما أنه ذاق معنى الظلم الاقتصادي، «لم تكن تمنعني من حضور حلقيات القوى الإسلامية التي كانت تعرف عند الرفاق بحلقيات « الخوانجية «، كان الاسلامون أيضا فرقا وشيعا كما كان الرفاق. كنت أحضر حلقيات الاسلاميين و أقارن الفرق بين الخطاب الإسلامي ومكامن القوة فيه، و خطاب اليسار و نقاط القوة فيه.
كانت الغاية توخي الحيطة العلمية والحذر الفكري حتى لا ينبطح لتوجه على حساب توجهات أخرى. يزعم الهيني أن المكتبة والحلقة كانتا من دعائم بناء شخصية ذلك الطالب الآتي من عمق ” العروبية “من جبالة بني زروال أرض الأجداد ، و كل ما تحمله من قيم البساطة و التواضع والتسامح. ان شخصية محمد الهيني وجدت سندها الأساس في نقاشات الحلقة وفي رفوف المكتبة التي أشبعت نهم القلب و العقل معا.
كان دائم الحضور في جميع المواد لا فرق بين المواد الكتابية أو الشفوية ولا الدروس النظرية أو التطبيقية. اعتاد الجلوس في الصفوف الأولى والحضور باكرا للدروس لعدم تفويتها لأنه آمن أن الحضور فرض عين في التكوين والنجاح، إذ لا مجال للتهاون، «كنت أخال نفسي موظفا عليه التزام قانوني وليس أخلاقيا بأداء واجباته في التحصيل العلمي والاستفادة من الدروس النظرية للأساتذة، لأنه غالبا ما سمعنا عن عرف جامعي يقضي بان أسئلة الاختبارات تطرح في مدرجات الجامعة، إذ كانت تلك الدروس مجالا لشرح الإشكاليات القانونية والجواب عنها مما لم يكن بمقدور المؤلف الجامعي الإحاطة به».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى