fbpx
الصباح السياسي

الجماعي: إقرار التقطيع الانتخابي بمرسوم ضمانة للموضوعية

المتخصص في الأنظمة الانتخابية قال إن انفراد الحكومات بالتقطيع فرصة للقيام بمناورات غير شريفة

اعتبر حسن الجماعي، الأستاذ المتخصص في الأنظمة الانتخابية، أن إسناد الاختصاص في إحداث وتحديد الدوائر الانتخابية إلى البرلمان، ووضع التقطيع الانتخابي بقانون عوض مرسوم، يعد بمثابة «ضمانة أكبر للموضوعية»، مستحضرا مشاركة كل الفاعلين السياسيين في عملية وضع التقطيع الانتخابي، بشكل يفضي إلى خلق نقاش علمي وأكاديمي وعمومي حول العملية. كما

عرج الجماعي على خلفية التقسيم
والتحكم في عدد الدوائر، وفي ما يلي نص الحوار:

يلاحظ أن وزارة الداخلية مازالت «تتكتم» على معالم التقطيع الانتخابي الجديد الذي سيعتمد خلال المحطة الانتحابية المقبلة، هل ترون الأمر طبيعيا، علما أنه لم تعد تفصلنا عن الانتخابات سوى أقل من 60 يوما؟
إن تكتم وزارة الداخلية، حسب تعبيركم، على معالم التقطيع الانتخابية الذي سيعتمد خلال الانتخابات المقبلة، على بعد أقل من 60 يوما على تاريخ إجرائها، أمر ليس طبيعيا، لأن انفراد الحكومة بوضع التقطيع الانتخابي يعطيها سلطة  تقديرية للتحكم في كل الأمور المتعلقة به، وهو ما يشكل خطرا على صحة وسلامة العملية الانتخابية برمتها، الأمر الذي يطرح، في السياق المغربي، مسألة المشاركة الديمقراطية في وضع التقطيع الانتخابي حتى يكون محايدا من الناحية السياسية. لذلك يوفر، من حيث المبدأ، إسناد الاختصاص في إحداث وتحديد الدوائر الانتخابية إلى البرلمان، أي وضع التقطيع الانتخابي بقانون عوض مرسوم، ضمانة أكبر للموضوعية، لأن مشاركة كل الفاعلين السياسيين في عملية وضع التقطيع الانتخابي تجعلها عملية تشاركية تفضي إلى خلق نقاش علمي وأكاديمي وعمومي حولها، الأمر الذي يحد من انفراد الحكومة ممثلة في  وزارة الداخلية بالتقطيع الانتخابي وجعله امتيازا من امتيازات السلطة التنفيذية من جهة، ومن جهة ثانية، إحداث الدوائر الانتخابية بواسطة قانون يعمل نسبيا على ضمان المساواة بين السكان في التمثيل السياسي على نحو لا يشجع خفية توجها سياسيا معينا على حساب التوجهات الأخرى، لأن انفراد الحكومات عبر التاريخ بالقيام بالتقطيع الانتخابي جعلها تقوم بهذه المهمة بناء على اعتبارات ظرفية وانتخابوية محضة غريبة، على فكرة الصالح العام، وشكل  بالنسبة إليها فرصة للقيام بمناورات غير شريفة لضمان فوز الموالين لها.
في هذا الصدد، نذكر أن أول من زور الانتخابات بالتحكم في عملية التقطيع الانتخابي هو جيري إلبريدج، حاكم ولاية ماساشوسيتس الأمريكية، الذي كان يشتهر بهذا الفن في القرن ال19، ومن ثم أصبحت عبارة جيري ماندرينغ تطلق على كل المناورات التي تهدف إلى توجيه التقطيع الانتخابي على المستوى السياسي لضرب مبدأ العدالة الانتخابية على مستوى النتائج.
من خلال كل ما سبق، نخلص إذن إلى القول بأن مبدأ المشاركة الديمقراطية في وضع التقطيع الانتخابي يحد من استئثار وانفراد الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية بعملية إحداث الدوائر الانتخابية.       

راج أن اجتماعات لجنة الداخلية بمجلس النواب شرعت في مناقشة بعض الجوانب الخاصة بالتقطيع الانتخابي، وهناك من الأحزاب من يصر على اعتماد مبدأ توسيع الدوائر الانتخابية، هل في نظركم مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تضفي المصداقية على نمط الاقتراع اللائحي؟
إصرار بعض الأحزاب السياسية على اعتماد مبدأ توسيع الدوائر الانتخابية أمر طبيعي في ظل اعتماد نمط الاقتراع باللائحة، بواسطة التمثيل النسبي، لأن التمثيل النسبي سمي كذلك، لأنه يهدف إلى منح كل الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في الانتخابات عددا من المقاعد يتناسب مع عدد الأصوات الذي حصلت عليه، ومن ثم، فإن الأخذ بالتمثيل النسبي يفرض الأخذ بمبدأ توسيع الدوائر الانتخابية حتى يتسنى تحقيق الغاية من الأخذ بهذا النمط من الاقتراع والمتمثلة في تحقيق العدالة في التمثيل السياسي، وذلك على خلاف الاقتراع بالأغلبية الذي يفرض تقسيم إقليم إلى دوائر صغيرة أو متوسطة، لأنه لا ينتخب في غالب الأحيان في ظل هذا النمط من الاقتراع إلا مرشح فائز واحد، على عكس التمثيل النسبي الذي يتنافس في ظله على مستوى الدائرة الانتخابية، ثلاثة مرشحين أو أكثر. من هنا، فإن الأخذ بالتمثيل النسبي مع استبعاد قاعدة توسيع الدوائر الانتخابية يقود على مستوى نتائج الاقتراع إلى الآثار نفسها التي يقود إليها اعتماد الاقتراع بالأغلبية، الأمر الذي يجعل العملية الانتخابية تجري باقتراع فردي مقنع، أكثر منه اقتراع بواسطة التمثيل النسبي، وقراءة نتائج الانتخابات الإسبانية مثلا تؤكد هذه الخلاصة، إذ أن إسبانيا، وإن كانت تأخذ بالتمثيل النسبي، فإنه على مستوى نتائج الاقتراع تعرف تداول حزبين كبيرين على ممارسة السلطة، على غرار البلدان التي تأخذ بالاقتراع بالأغلبية في دورة واحدة. والسبب يكمن في أخذ إسبانيا بالتمثيل النسبي دون اعتماد مبدأ توسيع الدوائر الانتخابية، الأمر الذي يجعل المنافسة الانتخابية فيها تتم بواسطة اقتراع بالأغلبية مقنع أكثر مما هو تمثيل نسبي.
الملاحظة نفسها يمكن إبداؤها بخصوص الانتخابات التشريعية لسنة 2007، حيث إن المرسوم المحدث للتقطيع الانتخابي أدخل مجموعة من التغييرات على التقطيع الانتخابي لعام 2002، شملت 27 دائرة انتخابية، إذ لم يتضمن التقطيع الانتخابي لسنة 2007 أي دائرة انتخابية يتم في إطارها انتخاب خمسة مرشحين للانتخاب، بخلاف ما كان عليه الأمر بالنسبة إلى تقطيع 2002، الذي تضمن خمس دوائر انتخابية، ينتخب في إطار كل واحدة منها خمسة مرشحين، كما أن عدد الدوائر الانتخابية التي تضم مقعدين انتخابيين أصبح مرتفعا في ظل التقطيع الانتخابي ل2007 ، مقارنة مع 2002. وهو ما رأت فيه بعض الأحزاب استهدافا لتمثيليتها البرلمانية حيث خسرت مقعدا برلمانيا في كل الدوائر الانتخابية التي عرفت تخفيضا في عدد المقاعد المتنافس حولها، لذلك، كان من الطبيعي أن تطالب هذه الأحزاب باعتماد مبدأ توسيع الدوائر الانتخابية.      

من منطلق تخصصكم، وإطلاعكم على التجارب الدولية في مجال التقطيع الانتخابي، ما هي الصيغة التي يمكن أن تعتمد في المغرب، تفاديا للتحكم في الآلية الانتخابية؟
انطلاقا من التجارب الدولية في مجال التقطيع الانتخابي، الصيغة التي يمكن اللجوء إليها في المغرب لتفادي التحكم في الآلية الانتخابية هي إقرار مبدأ المشاركة الديمقراطية في وضع التقطيع الانتخابي، وذلك لاحترام مبدأ المساواة
الذي يعتبر مبدأ دستوريا، أي مساواة المواطنين في التمثيل السياسي، ومساواة القوى السياسية أمام التنافس السياسي، وذلك حتى لا يؤدي عدم تناسب حجم الدوائر الانتخابية إلى تزوير نتائج التصويت على المستوى الكلي، أو الشمولي. وتبعا لذلك، يجب الاحتفاظ بتطابق وتماثل نسبي لحجم الدوائر الانتخابية رغم الحركية الديمغرافية للسكان.
فالتقطيع الانتخابي الذي يبدو مقنعا وعادلا لحظة انجازه، يمكن أن يصبح جائرا بعد مرور السنين عليه، لذلك يجب أن يتم العمل على مراجعته دوريا.
ولتفادي عدم تحيين التقطيع الانتخابي، وأيضا لتفادي مسألة تعميق اللاتوازن بين الدوائر الانتخابية، عمل الاجتهاد القضائي، خاصة القضاء الدستوري في الدول الديمقراطية، على وضع مجموعة من المعايير والقواعد التي يتعين احترامها خلال وضع التقطيع الانتخابي، لأن المراقبة القضائية في هذا المجال من التشريع تشكل عنصرا جوهريا لتعميق الممارسة الديمقراطية. وتتمثل أهم المعايير التي وضعها الاجتهاد القضائي بخصوص التقطيع الانتخابي، والتي يتعين على المشرع احترامها، في قاعدتي الأسس الديمغرافية والمراجعة الدورية للتقطيع الانتخابي. تعني القاعدة الأولى ضرورة انتخاب كل مجلس تمثيلي بناء على أسس ديمغرافية، حيث ان التقطيع يتم بناء على عدد السكان وليس على عدد الناخبين، كما تعني أيضا القاعدة ذاتها ، أنه في حالة عدم تناسب التمثيلية مع عدد السكان لا يجب أن يكون الفرق كبيرا، وأن يتم اللجوء إلى ذلك في حالات استثنائية ومحدودة، استنادا إلى اعتبارات تبررها المصلحة العامة.
أما القاعدة الثانية، أي قاعدة المراجعة الدورية للتقطيع الانتخابي، فهي قاعدة تابعة لقاعدة الأسس الديمغرافية ومكملة لها، وذلك حماية للتوازن بين الدوائر الانتخابية، والذي يمكن أن يضربه إهمال المشرع لحركية السكان، لذلك، اعتبر القضاء الدستوري أن احترام مبدأ المساواة خلال الاقتراع يقتضي أن يكون التقطيع الانتخابي موضوع مراجعة دورية تبعا للتطور الديمغرافي، أخذا بعين الاعتبار نتائج آخر إحصاء للسكان. إذن، فقاعدة التوازن الديمغرافي وقاعدة المراجعة الدورية للتقطيع الانتخابي، هي معايير يجب أن تتاح للقاضي الدستوري المغربي الفرصة لفرضها على المشرع لتفادي التحكم في العملية الانتخابية من خلال التقطيع الانتخابي.        

هل بالإمكان الاستمرار في اعتماد السياسة التقطيعية الحالية، لضمان نزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة؟
في المغرب، كما تعلمون، يشكل إحداث الدوائر الانتخابية بمرسوم، تقليدا في الممارسة القانونية المغربية منذ المصادقة على أول دستور عام 1962، مما يطرح سؤالا مشروعا حول الاستمرار في اعتماد هذه السياسة التقطيعية، خاصة أن الرهان الأساسي للانتخابات المقبلة هو ضمان نزاهتها من خلال تفادي إقرار تقطيع انتخابي غير عادل، تتساوى فيه الدوائر الكثيفة سكانيا والدوائر الأقل كثافة من حيث المقاعد النيابية المخصصة لكل واحدة منها، فهذه المساوئ لم يفلت منها التقطيع الانتخابي خلال مختلف الاستشارات الانتخابية السابقة، وشكل ذلك موضوع احتجاج الأحزاب السياسية على انفراد وزارة الداخلية بعملية وضع التقطيع الانتخابي. فأحزاب الكتلة الديمقراطية، عندما كانت في المعارضة، طالبت بأن تحدد الدوائر الانتخابية، ويتم إحداثها بواسطة اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات، دون الوصول إلى نتيجة إيجابية في هذا الخصوص، رغم اعتراف وزير الداخلية الراحل إدريس البصري بأهمية الموضوع.
لذلك، فإن توصل المغرب إلى أن تسند مسألة الإشراف على العملية الانتخابية برمتها بما فيها التقطيع الانتخابي إلى لجنة مستقلة تتكون أساسا من القضاة، وإلى التنصيص ضمن القوانين الانتخابية على ضرورة استشارة المجلس الدستوري لكي يقيم مسألة مدى احترام التقطيع الانتخابي للقواعد المعروفة عالميا، فإنه لا محالة سيتم تقويم السياسة التقطيعية الحالية وذلك للاستجابة للرهانات السياسية التي ينتظرها المغاربة من الانتخابات المقبلة. فالمغرب لا يجب أن يبقى بمعزل عما وقع في الدول الديمقراطية، وما يقع حاليا في ظل ما يعرف بالربيع العربي، وذلك احتراما لمبدأ مساواة المواطنين في التمثيل السياسي.   

تحديد مبادئ التقسيم الانتخابي مهمة يجب أن تسند إلى القضاء

الدستور المغربي ينص على خلاف الدساتير المغربية السابقة في فصله ال62 على أن «يبين قانون تنظيمي …مبادئ التقسيم الانتخابي». تفعيلا لمضامين الدستور، نص مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، طبقا للنسخة التي نتوفر عليها حاليا، في مادته الثانية على أن «تحدث الدوائر الانتخابية المحلية، ويحدد عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة انتخابية بمرسوم حسب مبادئ أهمها أن يراعى في تحديد الدوائر الانتخابية قدر الإمكان تحقيق توازن ديمغرافي في ما بينها، وأن يكون النفوذ الترابي للدوائر الانتخابية متجانسا ومتصلا، كما يتم تحديد الدوائر الانتخابية دون المساس بالحدود الإدارية للعمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات. ما جاء في الدستور، وإن كان ضروريا، فهو مع ذلك يبقى غير كاف لعدة اعتبارات أهمها، صياغة مبادئ التقسيم الانتخابي لا تلزم الحكومة باحترام قاعدة المساواة الديمغرافية التي وضحناها سابقا، بل تعطي سلطة تقديرية مهمة لها بخصوص احترام هذه القاعدة، خاصة أن عبارة قدر الإمكان الواردة في النص لن تجعل من احترام قاعدة الأسس الديمغرافية والتقيد بها هو الأصل، وتجاوزها هو الاستثناء.
ثانيا، نجد ضمن مبادئ التقسيم الانتخابي، كما هو منصوص عليها في القانون التنظيمي، قاعدة المراجعة الدورية للتقطيع الانتخابي كمعيار أساسي يجب الأخذ به لتحيين عملية التقطيع الانتخابي على النحو الذي شرحناه من قبل.
ثالثا، إن تحديد مبادئ التقسيم الانتخابي من حيث المبدأ هي مهمة يجب أن تسند إلى القضاء،وليس إلى المشرع، وذلك من جهة لضمان بناء دولة القانون، التي يلعب فيها القضاء، وخاصة القضاء الدستوري، دورا محوريا وأساسيا، ومن جهة ثانية، لأن ذلك يندرج ضمن تحسين تقنيات دولة القانون. لذلك، كان من الأفضل في الدستور الحالي إسناد إحداث الدوائر الانتخابية بقانون، وإتاحة الفرصة للقضاء الدستوري لكي يراقب التقطيع الانتخابي ويكرس القواعد المعيارية المتعارف عليها في كل الديمقراطيات، حتى تضمن العملية الانتخابية في مجموعها، حرية الناخب من جهة، وصحة وسلامة الاقتراع من ناحية أخرى.

أجرت الحوار: نادية البوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى