fbpx
الصباح الـتـربـوي

في البدء كانت: إعدادية محمد الخامس بطنجة رمز لمقاومة الاستعمار

دشنها بطل التحرير سنة 1947 وبنيت بتبرعات أهالي وأعيان المدينة الأوفياء

سعى المستعمر إلى بناء عدد من المؤسسات التعليمية المختلطة بطنجة لفرض ثقافته وكسر سيطرة المدارس القرآنية العديدة، التي كانت توجد بالمناطق المجاورة وأقامت لها زوايا وسط قصبة المدينة القديمة.
ورغم الحصار الذي كانت تفرضه قوات الاحتلال، أصر أفراد الحركة الوطنية على إنشاء مدارس لدعم اللغة العربية وتعزيز الهوية الثقافية المغربية، إذ أقدموا على بناء عدد من المؤسسات التعليمية مزجت فيها بين التعليم العصري الأسس الدينية، ومن بينها مدرسة وضع حجرها الأساس المغفور له محمد الخامس أثناء زيارته التاريخية للمدينة يوم 9 أبريل 1948، إذ كان جلالته أول من جاد بإسهاماته المادية لبنائها، بهدف نشر المعرفة وتنمية الروح الوطنية، خصوصا بعد المد الدولي بالمنطقة خلال فترة الاستعمار الماضية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن بناء هذه المدرسة، التي سميت باسم مؤسسها بطل التحرير محمد الخامس، كان بمساهمة أهالي المدينة الأوفياء، الذين أقبلوا على التبرع بسخاء وكانوا يسعون إلى إعداد أجيال قادرة على تحمل المسؤولية والصمود في وجه المستعمر، فاختاروا لها أبرز المدرسين من مختلف الجنسيات، في مقدمتهم المصريون والسوريون واللبنانيون.
في بداية تأسيسها احتوت المدرسة على مجموعة من الأقسام الابتدائية، وكان الأستاذ العربي الفحصي هو أول مدير أشرف على إدارتها، وبعده تولى المسؤولية عدد من المديرين الوطنيين الذين استطاعوا بتفانيهم أن يجعلوا منها أبرز مؤسسة علمية دينية في المدينة، إذ توافد عليها التلاميذ من شتى أنحاء المنطقة، غير أن مرحلة أحمد بولعيش أحدثت تغييرا جذريا وتحولت من ثانوية معربة إلى مؤسسة إعدادية عصرية سنة 1974، وهو الوضع الذي ظلت عليه إلى الوقت الراهن.
وحافظت الثانوية الإعدادية محمد الخامس على طابعها المعماري المتكون من طابقين يصل ارتفاع كل منهما إلى 5 أمتار تقريبا، وتتميز واجهة المبنى الرئيسي ببساطتها وهندستها الإيبيرية الجميلة، إذ تعتبر حاليا من أهم الأماكن الرمزية في المدينة، واسمها ماازال راسخا في ذاكرة العديد ممن مروا بها خلال حياتهم الدراسية، إذ تأتي أهميتها من بصمتها العريقة في تاريخ المدينة.
خلال تاريخها الطويل، أنجبت المؤسسة مئات العلماء وفطاحل الفقهاء والقضاة والمحدثين والدعاة، الذين ازدهرت بهم الحركة العلمية والتدريسية بكل ربوع المملكة، كما درس فيها العديد من النخب والشخصيات البارزة التي تشغل حاليا مناصب هامة ومختلفة بالمدينة وخارجها، بالإضافة إلى عدد من أعلام الأدب والمسرح والسينما وكل الفنون الراقية، ما يجعلها تحتل مقاما علميا وثقافيا يستدعي الاهتمام والحفاظ عليها حتى تساهم بشكل أكبر في تنمية المنطقة والجهة.
حاليا يديرها الأستاذ أحمد العباسي، وتتوفر على 15 حجرة دراسية، بالإضافة إلى مكاتب إدارية وساحة وملاعب رياضية، يدرس بها زهاء 600 تلميذ وتلميذة يتحدرون من الأحياء الشعبية الفقيرة كحومتي بني يدر والمصلى، ويؤطرهم تربويا 40 أستاذا من ذوي الكفاءات المتميزة، إذ تعتبر نتائجها السنوية من أحسن النتائج على الصعيد المحلي بفعل تظافر جهود جميع الأطر الإدارية والتربوية وجمعية آباء وأولياء التلاميذ، الذين يعملون جميعا على دعم هؤلاء التلاميذ اجتماعيا وثقافيا، وذلك من خلال مساهمات أساتذة المؤسسة وبعض المحسنين وأعيان المدينة.

المختار الرمشي (طنجة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى