fbpx
حوادث

دراسة: شيخنا الكبير يستحم في الوادي الغدير

في الرد على النقاش حول “الهيأة الوطنية للعدول” و”مهنة النساخة” و”المكاتب الموحدة”

تابعتُ الحلقة الثانية من مقال الأستاذ محمد صابر المنشور في عدد 3555 من جريدة «الصباح» تحت عنوان «من يحمي مهنة العدالة وكرامة العدول؟»، مذيلا بصفة «عضو في الهيأة الوطنية بجهوية استئنافية الدار البيضاء»، ولي هنا بعض الملاحظات التي اعتبرها أساسية: الأمر الأول يتعلق بالصفة، وهنا أريد أن أهمس في أذن شيخنا الكبير، وأسأله، متى كنت عضوا بالهيأة الوطنية للعدول؟ وما أعرفه جيدا، كما أعرف أصابع يدي، أنك قمت، سابقا، بحملة انتخابية بمفردك، صلت وجلت وحدك بلا مؤيد ومناصر، أو مساند، وبذلت كل ما في وسعك وأكثر من أجل الظفر بمقعد في الهيأة الوطنية، لكن دون جدوى، فمن أين لك، شيخنا الفاضل، بهذه العضوية كما تزعمها وتدعيها في مقالك؟
الأمر الثاني يتعلق بطبيعة مواضيع شيخنا الكبير، إنها ويا للعجب تُضحك وتُبكي في الآن نفسه: تضحك من حيث أسلوبها المضطرب وغموضها القاتم، ويمكن الاستشهاد على ذلك بالفقرة الأخيرة من الحلقة الثانية التي تبتدئ من قوله «وهنا لا يسعني إلا أن أقول للأخ الكريم …» إلى قوله «حتى لا يتداوى بالحية السوداء بدل الحبة السوداء».
ثم إنها مواضيع تُبكي لأنها بتكرارها الحديث، حد الملل، عن ثلاث قضايا لا تتجاوزها في سياقها العام. وبهذا فبدل أن يحسن مثل هذا النقاش إلى الهيأة الوطنية والسادة العدول، فإنها تعمد إلى تشويه صورة مهنة العدالة وكرامة العدول، وهذه القضايا هي «الهيأة الوطنية للعدول» و»مهنة النساخة» و»المكاتب الموحدة»، وياليت شيخنا يعطي حلولا مثمرة وناجعة في تناوله لها، تحث على التضامن والتكافل وعدم المس بالأشخاص والطعن في أعراضهم.
أما الهيأة الوطنية للعدول، فمما لا ريب فيه أنها قائمة الذات ومنظمة بقانون تحت رقم 03-16 المتعلق بخطة العدالة، أحب من أحب وكره من كره، إذ نصت المادة 3 منه على ما يلي: «ينتظم جميع العدول في إطار هيأة وطنية للعدول، ومجالس جهوية على صعيد دوائر محاكم الاستئناف، تنظم وفق مقتضيات هذا القانون والنصوص التطبيقية له»، أما المادة 52 فتؤكد «تتمتع الهيأة الوطنية للعدول بالشخصية المعنوية، وتضم جميع العدول»، لكن إذا كان الأمر، فعلا، يقتضي النقد البناء في بعض أوجه واختلالات التسيير الإداري، فإنه ينبغي العمل على إصلاحها وإعادة النظر فيها بالحكمة والتروي، وليس بالتهريج والنقد اللاذع الذي يزيد الطينة بلة.
أما عن مهنة النساخة فأقول  لشيخنا المحترم إذا كنا نعلم أن مهنة خطة العدالة منظمة بقانون رقم 03-16 فكذلك مهنة النساخة منظمة بقانون رقم 49.00. ولا يمكن لأي كان أن يزيحها بين عشية وضحاها، بل كلا المهنتان منسجمتان في ما بينهما، وكل واحدة منهما تكمل  الأخرى، وإذا حاولنا تنحية مهنة إحداهما وإبعادها  عن الأخرى فإننا نقوم بأمر يخالف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تحدث عنها شيخنا في مقاله، ودعا إلى المشاركة فيها.
وأما بالنسبة إلى المكاتب الموحدة، والتي  جاء في موضوع صاحبنا الشيخ الكبير أنها تطويع المواطنين بادعاءات باطلة وتركيعهم، وإذعانهم  لها. فحسب علمي وما أعيشه  في المكاتب الموحدة، التي اعرفها واطلع على خباياها، فهذا القول الذي زعمه كاتب المقال ادعاء باطل وافتراء كاذب، بدليل أن الهدف من إنشاء هذه المكاتب الموحدة هو تحقيق مبدأ التكافل والتضامن والتعاون الذي يدعو إليه شرعنا الحكيم قال الله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب»، صدق الله العظيم.
هناك أيضا هدف آخر من المكاتب الموحدة  يتعلق بتحقيق المصلحة العامة، ومن ذلك، ورفع مستوى المهنة شكلا ومضمونا وأداء وحماية للوثيقة العدلية وتطويرها لتؤدي وظيفتها وتحقق مبتغاها تماشيا مع تطورات العصر إلى جانب المحافظة على أصالتها المتينة والتي لا يمكن المساس بجوهرها أبدا.
هذا العمل الموحد يتغيى، في مقام آخر، تنقية الأجواء وإبادة الأحقاد والضغائن، التي قد تنشأ بين السادة العدول أثناء ممارستهم لمهامهم متفرقين، كما أسست هذه المكاتب من أجل حثهم على الظهور بمظهر لائق على مستوى الشكل والمضمون، علما  أن العمل الموحد يستجيب للمتطلبات الذاتية والموضوعية التي يعرفها ميدان التوثيق العدلي في ضوء التفاعل الايجابي مع خطوات الإصلاح القضائي العميق في تحقيق المقاربة الشمولية.
لكل ذلك، يأتي المواطنون إلى هذه المكاتب الموحدة مشرفين ومعززين لا يفرض عليهم شيء خارج القانون، بل يطبق القانون فيها حرفيا من غير إجحاف أو تضليل أو ابتزاز، ويأتون إليها فرحين مستبشرين منشرحي الصدور، بما يجدونه في هذه المكاتب من تقديم خدمات مختلفة وسريعة مثل التسجيل والتحفيظ وكفايتهم في كثير من الأمور المتعلقة بهم وبمصالحهم.
فعجبا للشيخ الكبير كيف نسي أو تناسى أنه بالأمس القريب وجه إلي دعوة هاتفية لأزوره بمكتبه من أجل تزويده بمعلومات ومبادئ أولية من أجل إنشاء مكتب موحد بالمحمدية، علما أن المادة 14 من القانون رقم 03-16 تنص على: «يتكون كل مكتب من عدلين على الأقل».
ومن أجل التذكير فقط، لا التشهير بشيخنا الكبير، أن هناك تصفية حسابات بين صاحب المقال وصاحب موضوع «الشراكة المهنية للعدول» الذي ورد في حلقته الثانية، إذ إنه كان بينه وبين صاحب الموضوع صراعات سابقة، ذلك أن الأول  طلب من الثاني أن ينجز له رسم صدقة بملكية رغم عدم توفر الشروط اللازمة لإنجازه  فرفض الأخير تلقيه، كما طلب منه عدم  انجاز رسم ملكية لشخص آخر وعدم إخراجه للوجود، لأجل مصلحة شخصية لصاحب المقال.
وللتنبيه، فإن احتقار الآخرين والاستهتار بهم سيدنا الشيخ الكبير، قد ترجع عاقبته الوخيمة على أصحابها. وكما قال الشاعر اليمني:
لا تحقرن كيد الضعـــيف فلربما
تموت الأفاعي بسموم العقارب
وقد هد قد ما عرش بلقيس  هدهد
وخرب حفر الفأر سد مأرب
في الختام، أقول لشيخنا الكبير الذي له باع طويل في البحث والتنقيب وسعة الاطلاع في ميادين شتى من العلوم، حسب زعمه، أنك إذا كنت تستطيع وحدك حماية مهنة العدالة وكرامة العدول، فلتبادر إلى ذلك..وجزاك الله عنا خير الجزاء.

بقلم: إسماعيل اركيب: عدل بدائرة محكمة الاستئناف سطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى