fbpx
ملف الصباح

دكالة وعبدة …”كلها وعوايدو”

“المسفيويون” يفقدون عاداتهم والحريرة والسمك مقدسا “الجديديين” في رمضان
لرمضان بمنطقتي دكالة وعبدة رغم المنافسة التاريخية قواسم مشتركة، سيما على مستوى مائدة الإفطار، إذ تعد وجبة السمك والحريرة طبقين رئيسيين لا يمكن الاستغناء عنهما، لكن ما يلاحظ أن عددا من الطقوس بعبدة، وبالضبط بآسفي، صارت مع توالي السنوات في طي النسيان أو بعبارة أصح دخلت مرحلة “الانقراض”، عكس الدكاليين الذين ما زالوا محافظين على طقوسهم العديدة دون تفريط.
تشهد منطقة دكالة استعدادات خاصة لاستقبال رمضان، أول مظاهرها “المصالحة،” بين السكان والأفران التقليدية، بعد قطيعة دامت أشهرا عديدة، لانتشار أفران صغيرة بكل منزل. وسبب صلة “رحم” الدكاليين مع هذه الأفران، هو إعداد وجبة “سلو” التي تتطلب تحميص الدقيق الذي يعد مكونا أساسيا فيها، بطريقة تضمن جودته، في درجة حرارة عالية تعجز الأفران الصغيرة عن توفيرها.
ويراهن الدكاليون بشدة على موائد الإفطار على الحلويات “خصوصا “الشباكية”، فهي وجبة أساسية لا يمكن التفريط فيها.
وفي السابق، كانت نساء الحي يساعدن بعضهن البعض في إعداد “الشباكية”، لكن هذه العادة، صارت من الماضي، وأصبح “الدكالي” يقتنيها من محلات متخصصة، في البداية كانت العادة أن يتم اقتناؤها حسب الحاجة اليومية “نهار بنهار”، لكن منذ فترة تغيرت هذه العادة وصار الجميع يقتني كميات “الشباكية” تكفيهم لمدة شهر أو أكثر.

الحريرة والسردين
تعد “الحريرة الدكالية” طابقا مقدسا على مائدة الإفطار، فالدكالي يمكن أن يتخلى عن أي وجبة إلا “الحريرة”، والتي تعد بشروط خاصة، منها أن تكون “ثقيلة”، أي بها قطنيات متنوعة من قبيل الحمص والفول والعدس.
تشعل وجبة الحريرة، حالة استنفار كبيرة بعدد من “البحيرات” ضواحي المدينة المتخصصة في زراعة “القزبر والمعدنوس والكرافس”، إذ بسبب الطلبات الكبيرة عليها، يجد أصحابها أنفسهم مجبرين على بذل مجهودات كبيرة لتوفير هذه الطلبيات.
وفي السابق، كانت “الحريرة الدكالية” تعد بالفول والحمص، لكن في الفترة الأخيرة، تم إقصاء الفول من هذه الوجبة، واقتصر الأمر على الحمص والعدس، رغم أن بعض القرى مازالت محافظة على الفول في “الحريرة” وترفض أي تغيير.
الملاحظ في رمضان بمنطقة دكالية أنه بعد يوم شاق من الصيام، ينهمك الدكاليون في الأكل دون انقطاع من وجبة الإفطار إلى أذان الفجر، مقارنة مع فترات سابقة كانت الوجبات محددة في ثلاث، وهي الإفطار والعشاء ووجبة السحور.
وتعد الأسماك من الوجبات الأساسية في مائدة الإفطار بدكالة، ويأتي على رأسها السردين وسمك “المرين”، وتقدم إما مقلية أو على شكل “طاجين”. المثير أن المائدة الدكالية لا يمكنها التفريط في السمك ولو بلغ ثمنا خياليا.

“الزواكة”… ارتباط روحي
من أيقونات رمضان بالجديدة “الزواكة”، وهي صفارة إنذار وضعتها سلطات الحماية الفرنسية بمبنى المسرح البلدي منذ 1912، وضعت تحت خدمة الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى والثانية، من أجل الإشعار بأي هجوم مفاجئ لدول المحور وقتها على الحلفاء بالمغرب.
صار لـ”الزواكة” ارتباط روحي كبير بالنسبة للجديديين، ففي وقت سابق كانوا يدققون عليها ساعاتهم كل منتصف يوم الخميس، خلال فترة الاستعمار، أما حاليا فعلى صوتها يفطرون، لدرجة أنها نافست أذان المساجد، إذ أن الجديديين يسألون فقط “واش ضربات الزواكة” من أجل تناول وجبة الإفطار.
أطاحت “الزواكة” بمدفع أحضر بالمدينة بتعليمات من وزارة الداخلية إلى الجديدة ليقوم محل “الزواكة” لكن تعلق الجديديين بها، أخرجه من الخدمة لتصبح أيقونة رمضان الوحيدة بالمدينة.

سيدي بوزيد… ملاذ “الجديديين”
بعد الإفطار يغادر الجديديون منازلهم، لأداء صلاة العشاء والتراويح، أو لزيارة الأقارب أو القيام بجولات بمناطق شهيرة بالمدينة أهما حديقة محمد الخامس، و”الكورنيش”، إضافة إلى منطقة سيدي بوزيد بعد توفر وسائل النقل، وعدد من المقاهي الراقية التي فتحت أبوابها أخيرا. يظل الجديديون في جولات خارج منازلهم إلى حدود الساعة الثانية صباحا، بعدها يختفي الزوار والمارة من أهم شوارع وفضاءات المدينة.
على نقيض الجديدة، اعترف عدد من سكان آسفي عن تراجع كبير في عادات المدينة خلال رمضان، عزوها إلى تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، جعلت السكان يفضلون العزلة عن كل ما هو اجتماعي، وهو ما انعكس بشكل سلبي على طقوس آسفي الرمضانية.
صحيح أن مائدة رمضان بآسفي ظلت محافظة على طقوسها القديمة، إذ لا غنى عن “الشباكية ” والسمك بكل أنواعه والحريرة وغيرها من الوجبات المسفيوية الشهرية، إلا أن طقوس إعداد هذه الوجبات تغيرت جذريا، إذ بعد أن كانت الحلويات، خصوصا “الشباكية” تعد بالمنازل بمساعدة الجيران صارت تقتنى من محلات متخصصة.
وتعد ثقافة السمك على مائدة الإفطار دخيلة على المجتمع المسفيوي، إذ قبل التسعينات، كانت الموائد خالية من السمك، لكن مع بداية التسعينات، صار الإقبال كبيرا على هذه الوجبة لدرجة أنها أضحت أساسية، وجزءا من الثقافة المسفيوية، التي لا تقبل النقاش.
مدينة “الأشباح”
سجل عدد من المسفيويين فتورا في كل رمضان، وغياب الأجواء التي اشتهرت بها المدينة في هذا الشهر المقدس منذ سنوات ماضية، منها تراجع عادة الزيارات العائلية، إذ بعد أن كانت العائلات تجتمع على “براد أتاي”، والكعك المسفيوي، لصلة الرحم، صارت كل أسرة تلتزم بيتها ونادرا ما تخرج إلى زيارة قريب ما، ولا تدوم الزيارة أقل من ساعة.
بعد الإفطار، يلاحظ غياب كبير للمواطنين بأهم شوارع المدينة، إذ برر مواطنون ذلك لغياب فضاءات ترفيهية حقيقية بالمدينة، لهذا يتجه بعضهم لأداء صلاة التراويح وينتشر آخرون في المقاهي، في حين تفضل النساء البقاء بالمنازل والاكتفاء بمتابعة برامج ومسلسلات على شاشة التلفزة. حتى بعض الفضاءات الشهيرة، تشهد حضورا ضعيفا لسكان آسفي من قبل مدينة الفنون أو ساحة “الخبزة”، التي تعد متنفسا لأطفال المدينة، لدرجة أن المدينة في حدود الواحدة صباحا، تكاد أن تتحول إلى مدينة “الأشباح”.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى