مقهى أركانة... هدف الإرهاب ظلت أماكن وفضاءات موشومة في أذهان المغاربة، لأنها أرخت لوقائع أثرت لسنوات في مسار البلاد، ارتبطت بأحداث كان لها تأثير على الأوضاع السياسية والأمنية للبلاد. في هذه الحلقة نقف عند مقر حزب الاستقلال في الرباط. لم يكن أحد يتوقع أن تكون مدينة آسفي صانعة رعب مقهى أركانة التي قتل فيها عدد من المغاربة والأجانب. مدينة آسفي أنجبت عادل العثماني الذي نفذ عملية التفجير الإرهابي بمراكش بدم بارد. مقهى أركانة تحتل مكانة خاصة في نفوس سكان مراكش، فهي توجد في قلب ساحة جامع لفنا الشهيرة، ويؤمها المغاربة والسياح على حد سواء، لمعاينة الساحة الشهيرة من فوق السطح. يوم 29 أبريل الماضي، قرر العثماني توقيف عقارب الساعة، لينفذ جريمة نكراء هزت مشاعر العالم أجمع.حين اعتقل العثماني بمنزل والديه بحي بوعودة بآسفي لم يبد عليه التأثر، وكأنه القاضي الذي قرر مصير ضحاياه، العثماني وشركاؤه كانوا يعتنقون الفكر الجهادي التكفيري، خططوا ونفذوا، وأصدروا القرار النهائي. استغل عادل المنزل الثاني الذي يعود إلى والده والموجود في حي مفتاح الخير بآسفي، بعيدا عن حي بوعودة الذي تقطن فيه أمه وشقيقه وشقيقته، وأجرىإجراء اختباراته لصنع المتفجرات، خاصة أن المنزل نفسه يوجد في حي خالِ من السكان، وأغلب منازله مغلقة يملكها مهاجرون في الخارج.العثماني أكد خلال مراحل التحقيق معه، أنه منبهر بقيادات تنظيم القاعدة ومشايخ السلفية الجهادية، سيما أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وعبد الله عزام، وهو ما جعله يحاول في مناسبات عديدة الالتحاق ببعض أماكن التوتر عبر العالم للمشاركة في عمليات قتالية ضد قوات التحالف الدولي بالعراق وبالشيشان وليبيا، قبل أن يعدل عن هذه الفكرة، وينقل مخططه الإجرامي صوب مقهى أركانة الذي كان به أبرياء أعياهم التجول في ساحة "جامع لفنا" فقرروا الاستراحة قليلا، حيث كان القدر يتربص بهم، وحيث قرر العثماني تنفيذ حكم الإعدام فيهم دون محاكمة.قرر العثماني وشركاؤه، ودون سابق إعلان الركون إلى "الجهاد المحلي"، وذلك عبر القيام بعملية إرهابية بالمغرب ضد تجمعات لها رمزيتها وحساسيتها، لقد اعتقد أن قتل من يعتبرهم كفارا، جهاد سيدخله الجنة.في سنة 2004 حاول العثماني الهجرة سرا نحو أوربا، لكن محاولته باءت بالفشل بعدما تم توقيفه بالبرتغال وترحيله نحو المغرب، لكن إصراره على الهجرة سوف يدفعه في سنة 2007 إلى السفر مجددا، لكن هذه المرة، نحو تركيا بمعية أحد أتباع السلفية الجهادية في محاولة للالتحاق بالشيشان مرورا عبر جورجيا، لكن متغيرات مرتبطة بطبيعة الطقس بهذه البلدان، دفعته إلى السفر نحو العراق مرورا بسوريا، حيث أوقف لأكثر من شهر، بالسجن المعروف بمعتقل فلسطين، قبل إبعاده صوب المغرب.إصرار العثماني على ما يعتبره جهادا، سيدفعه إلى الهجرة، بمعية شخصين تم إيقافهم في إطار هذه القضية، إلى ليبيا بعدما تم التواصل مع بعض السلفيين الليبيين عبر الانترنت، وهناك تم التربص لبعض الوقت في انتظار الهجرة نحو العراق قبل إبعادهم مجددا نحو المغرب، وهو ما شكل منعطفا حاسما في مساره ، إذ سيقرر التحضير والتخطيط لعملية إرهابية بواسطة عبوة ناسفة، كان قد تلقى تدريبا على صناعتها بفضل ارتياده لبعض المواقع على شبكة الانترنت.وبعد محاولات عديدة لصناعة متفجرات تقليدية، وتجربتها بمنطقة خلاء بضواحي "سيدي دانيال" بنواحي آسفي، استطاع المعني بالأمر إحداث جسم متفجر بالاستعانة بمجموعة من المواد والمعروضة للبيع بمحلات بيع العقاقير، قبل أن يقرر زيادة كمية المتفجرات المصنوعة لتبلغ تسعة كيلوغرامات، بالإضافة إلى كمية أخرى تناهز ستة كيلوغرامات، وقتها قرر إيصالها بجهاز هاتف محمول مبرمج.وحرصا على اختيار موقع بالغ الحساسية، وله رمزية شعبية، قرر المعني بالأمر القيام بزيارة استطلاعية في بداية شهر أبريل لمدينة مراكش، وهناك لفت انتباهه مقهى ومطعم أركانة، المكان الذي يؤمه المغاربة والأجانب، ليقرر حينها استهداف هذا المكان بحكم توافد السياح الغربيين عليه على امتداد ساعات اليوم.شعر مستعار وقيثارة ونظارات سوداء كانت كافية ليتحرك العثماني بكل تلقائية داخل ساحة "جامع لفنا" ويدخل المقهى ويطلب عصيرا، ويمكث هناك بعض الوقت إلى أن تحين ساعة الحسم، فجر اليوم الموعود امتطى القطار من أسفي نحو مراكش الحمراء، وهناك حدد مكانا قريب من صومعة الكتبية محطة للضغط على زر التفجير، ثم توجه صوب مقهى أركانة التي كانت تعج بمرتاديها.45 دقيقة هي المدة التي قضاها بمقهى أركانة، منتحلا صفة سائح أجنبي، طلب خلالها عصير برتقال، ثم مشروبا ساخنا، قبل أن يغادر، مخلفا وراءه حقيبة سفر وحقيبة أخرى للظهر محشوة بالمتفجرات التقليدية، ومباشرة بعد ابتعاده عن المقهى ركب رقم الهاتف الموصول بالجسم المتفجر، لينجم عنه انفجار قوي، هز ليس فقط مدينة مراكش، ولكن المغرب وباقي العالم، ليتأكد أن الإرهاب لا لون له، فيكفي أن تتحول إلى متطرف لتقتل الأبرياء. عبد الله الكوزي