افتتاحية

لا وقت للفشل

وضع محمد حصاد يده في “عصيدة ” التعليم الملتهبة، و قَبِل بخوض المغامرة في قطاع يوصف بـ “محرقة ” الوزراء والكفاءات الوطنية.
ومؤكد أن وزير الداخلية السابق وخريج المعاهد الباريسية يعي حجم التحديات التي تنتظره في وزارة لها “قدرة غريبة ” على إفشال مخططات الإصلاح منذ الاستقلال إلى اليوم، كما يعي ضخامة الإشكاليات في قطاع لا ينتج غير المعضلات، ويستنزف أكثر من 45 مليار درهم سنويا، ويلتهم حصة الأسد من مناصب الشغل المبرمجة كل سنة (8 آلاف منصب في 2017).
فالتعليم المغربي لا يحتاج اليوم إلى إصلاح، بل إلى حكامة راشدة وتنزيل جيد لخارطة طريق مرسومة سلفا، وتستمد دعاماتها وركائزها ورافعاتها الكبرى من الرؤية الإستراتيجية التي تتمد إلى 2030 وتحدد معالم المدرسة العمومية التي يريدها المغاربة. مدرسة بتعـليم جدي ومنفتح يؤهل لولوج الحياة المهنية.
لهذا السبب، بدأ حصاد من حيث ينبغي أن يبدأ، أي الإسراع بإطلاق دينامية العمل، ووضع المقترحات والتوصيات ومشاريع الحلول على أرضية التنفيذ دون انتظار، والتوجه مباشرة إلى مواجهة المشاكل البنيوية على نحو استعجالي.
وحتى قبل نهاية الموسم الدراسي الحالي، نجح حصاد، إلى حد ما، في تقديم تصور كامل لما ينبغي أن يكون عليه الموسم المقبل، ورسم معالم دخول مدرسي بأقل ما يمكن من المتاعب والصعوبات، سواء بالنسبة إلى التلاميذ، أو الأسر أو الأطر التربوية، من خلال إطلاق عمليات إعادة التسجيل فور الانتهاء من الدراسة وتسهيل الإجراءات والحصول علىالوثائق.
كما حدد، بالضبط، عدد التلاميذ الذين لا ينبغي تجاوزه في الأقسام المستقلة والمشتركة، تفاديا للاكتظاظ، وتحديد الخصاص الحقيقي في الموارد البشرية وكيفية تعويضه (التوظيف بالعقود)، ثم تجاوز مشكلة البنيات التحتية والتجهيزات عبر افتتاح 55 مؤسسة جديدة و10 داخليات و1948 حجرة دراسية.
ناهيك عن ذلك، يواجه حصاد تحديا آخر يتعلق بالانضباط وسوء تدبير الزمن المدرسي وانعدام الضمير المهني لقطاع واسع من الأساتذة الذين يتهافتون على الساعات الإضافية ومؤسسات التعليم الخصوصي ويهملون أقسامهم وتلاميذهم ويتركونهم للضياع والهدر.
وفي هذه النقطة بالضبط، حاول الوزير مسك العصا من الوسط في مرحلة أولى، عبر إرسال مذكرات إلى مديري الأكاديميات (البعد الجهوي للتعليم) للسهر على الانضباط داخل الفصول والأقسام والمدارس، كما تعامل بمرونة مع عمل أساتذة التعليم العمومي في التعليم الخاص، وتحديد شروط ومعايير لذلك، لكن الأهم إحساس جميع العاملين في قطاع التربية الوطنية، على الخصوص، أن هناك من يراقبهم و “يتحاسب ” معهم على كل صغيرة وكبيرة، من منطلق الحرص على تأهيل المدرسة العمومية وإنقاذها من دمار وشيك.
إن الرهان كبير على المرحلة المقبلة.
فلأول مرة تتوفر للمغرب إرادة معبر عنها من أعلى سلطة في البلد لإصلاح التعليم، كما يتوفر على رؤية منسجمة وواضحة، وسند قانوني وتشريعي وموارد مالية وبشرية شبه كافية وتجهيزات في طور الاكتمال.
لذلك، سيكون الفشل هذه المرة مرادفا لموت سريري لا أحد سيتكهن متى ستتعافى منه المدرسة العمومية وبأي خسارات فادحة على المستقبل.
لننتظر مع المنتظرين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق