حوادث

إلغاء جرائم الشيك… الآثار القانونية والاقتصادية

المشرع الفرنسي اعتمد مقاربة تقوم على عنصري الوقاية والتحفيز على تسوية عوارض الأداء بديلا للعقوبات الجنائية (3/1)

يستند أصحاب الرأي القائل بإلغاء جرائم الشيك إلى مجموعة من المبررات أهمها أن التجريم لم ينجح في الحد من ظاهرة الشيك بدون رصيد و شيكات الضمان أو على الأقل إبقائها في رقم ثابت، وأن إلغاء التجريم يرفع نسبة الاستبناك نتيجة تشجيع الناس على التعامل بالشيك وعدم التخوف من المتابعات الجنائية. و أن الكمبيالة تفوق مبالغها في العادة المبالغ المضمنة بالشيكات، دون أن تكون مؤيدة بجزاء جنائي ومع ذلك مازالت تؤدي دورها ومازالت تحظى بثقة التجار. فضلا عن أن المستفيد يتوفر على عدة آليات وطرق لحماية حقوقه سيما عبر الدعوى الصرفية.
بالمقابل يرى أنصار الإبقاء على جرائم الشيك، أن التجريم و العقاب يبقى ضرورة أمام تفشي ظاهرة الشيك بدون مؤونة وشيكات الضمان، و أن ذلك هو ما يضمن احتفاظ الشيك بخصائصه أداة وفاء وتمييزه عن الكمبيالة والسند لأمر، خاصة أن بعض الدول الاقتصادية الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية مازالت تجرم الشيك بدون رصيد وتفرد له عقوبات صارمة دون أن يؤثر ذلك على المعاملات الاقتصادية والتجارية، فضلا عن اختلاف واقع الدول التي ألغت تجريم الشيك والعقلية السائدة فيها عن واقع المغرب، ففرنسا مثلاً رغم أن تشريعاتها كانت دائماً مصدراً للتشريع المغربي في مجال المال والأعمال، إلا أن واقعها الاقتصادي يختلف تماماً عن الواقع الاقتصادي بالمغرب، إذ يكفي أن نذكر أن نسبة الاستبناك بفرنسا هي 99%، في حين أن هذه النسبة لا تتعدى 68 %في المغرب ( حسب تقرير بنك المغرب لسنة 2015).
موقف التشريعات المقارنة من جرائم الشيك
يتضح من خلال مطالعة مجموعة من التشريعات المقارنة أن هناك خيارين تشريعيين أساسيين أحدهما يبقي على جرائم الشيك غير أنه يوسع من دائرة تدابير الوقاية وبدائل المتابعات والعقوبات الجنائية، و الثاني يلغي التجريم في مادة الشيك ويعول أساساً على تدابير الوقاية وتحفيز الساحب من أجل تسوية وضعية حسابه بمجرد وقوعه في أحد عوارض الأداء.
و من بين التشريعات التي أبقت على جرائم الشيك مع اعتماد بدائل المتابعات الجنائية، نذكر التشريع المصري الذي وإن كان قد نص على عقوبة مجموعة من جرائم الشيك، إلا أنه سمح للضحية أو وكيله الخاص الصلح في جرائم الشيك المنصوص عليها في المادة (534) من قانون التجارة المصري ويترتب عن الصلح في هذه الحالة انقضاء الدعوة الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صيرورة الحكم باتاً.
من جهته التشريع التونسي وإن كان يعاقب على جريمة الشيك بدون رصيد، فإنه وبموجب القانون رقم 36-2007 الصادر بتاريخ 04/06/2007، قد ضيق من مجال جرائم الشيك ووسع بالمقابل من تدابير الوقاية وإمكانيات تسوية حالات الشيك بدون مؤونة، بحيث يعطي القانون التونسي للساحب ثلاث فرص لتسوية الوضعية قبل إجراء المتابعات الجنائية، وفي جميع الأحوال يمكن للساحب تسوية الوضعية ولو بعد المتابعة، حيث إن توفير مؤونة الشيك قبل صدور حكم في القضية يوقف الدعوى العمومية.
بالمقابل ذهبت تشريعات أخرى إلى إلغاء جرائم الشيك قاعدة عامة يتخللها بعض الاستثناء، كما هو الشأن بالنسبة لدول الاتحاد الاقتصادي والمالي لغرب افريقيا(UEMOA)الذي قرر إصدار قانون موحد رقم 48-2008 من أجل إلغاء الجرائم المرتبطة بالشيك في تشريعات الدول الأعضاء، سيما جريمة عدم توفير مؤونة شيك، وعزز بالمقابل تدابير الوقاية والجزاءات المدنية، حيث تم تشديد أحكام المنع البنكي، وجعل من البنوك شرطة اقتصادية موكول إليها دور كبير في الحد من حالات عدم توفير المؤونة، عبر الالتزام بالإخطار بجميع عوارض الأداء والتحري عن الزبناء وعدم تمكينهم من صيغ الشيكات في حالة وجودهم في حال من حالات عوارض الأداء، وكل ذلك تحت طائلة المسؤولية المدنية والجنائية للمؤسسة البنكية، و احتفظ ببعض جرائم الشيك التي تضعف الثقة في التعامل بهذه الورقة التجارية، خاصة في حالة سحب شيكات رغم وجود الساحب تحت الحظر البنكي.
وهو المنحى نفسه الذي سلكه القانون الفرنسي الذي قنن جريمة الشيك بدون رصيد منذ سنة 1917، إلا أنه وأمام ارتفاع حالات عدم توفير مؤونة الشيك (حوالي 10 ملايين حالة في السنة الواحدة)، اضطر المشرع الفرنسي إلى تعديل المقتضيات الخاصة بالشيك بمقتضى القانون رقم 1382-92 الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 1991، حيث اعتمد مقاربة تقوم على عنصري الوقاية والتحفيز على تسوية عوارض الأداء بديلا للعقوبات الجنائية مع الاحتفاظ ببعض الجرائم لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من رفع التجريم و الاستعاضة عنه بالتدابير الوقائية، حيث عاقب خرق الحظر البنكي و سحب الرصيد مباشرة بعد إصدار الشيك بنية الإضرار بالغير و التعرض على الشيك بدون مبرر بنية الإضرار بالغير و تزوير و تزييف الشيك.
وحسب التقرير الذي قدمته الحكومة الفرنسية للبرلمان حول نتائج تطبيق القانون سالف الذكر، فإن حالات عدم توفير مؤونة الشيك انخفضت بنسبة 16,6%، حيث تم تسجيل 9 ملايين شيك بدون مؤونة في 1991، بينما لم يسجل خلال 1993، أي بعد سنتين على دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، سوى 7,5 ملايين شيك بدون مؤونة، وهذا ما جعل الحكومة الفرنسية تخلص في تقريرها إلى أن قانون إلغاء جرائم الشيك وتدعيم آليات الوقاية خاصة المنع البنكي، قد حقق الغايات المرجوة منه.
*دكتور في الحقوق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق