حوادث

إلغاء جرائم الشيك… الآثار القانونية والاقتصادية

الحلول الممكنة في ظل التشريع المغربي (3/2)
يأخذ المشرع المغربي بمقاربة تزاوج بين الوقاية والزجر، من خلال الإبقاء على جرائم الشيك وتدعيمها في الوقت نفسه بتدابير وقائية الهدف منها التقليص من حالات عوارض الأداء وانعدام المؤونة. و رغم ما قام به المشرع المغربي في مدونة التجارة ل1996 من تعديلات بغية الحد من حالات عدم توفير مؤونة الشيك، فإن الشيك بدون رصيد وشيك الضمان مازالا يشكلان ظاهرة إجرامية مستفحلة، وعدد القضايا المرتبطة بهذا النوع من الإجرام ما فتئ يرتفع ويرهق كاهل المحاكم، حيث انتقل عدد قضايا الشيك من 17712 قضية سنة 2010 إلى 27901 قضية سنة 2016.
ومع ذلك ورغم أن المعطيات الاحصائية تؤكد أن آليات الوقاية التي أخذت بها بعض الدول حققت نتائج أكثر فعالية من الزجر في مادة الشيك، فإنه في ظل الواقع المغربي لا يمكن الأخذ بإلغاء التجريم بشكل تام للأسباب التالية :
من جهة يبقى الواقع الاقتصادي والاجتماعي المغربي مختلفا إلى حد كبير عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للدول التي ألغت جرائم الشيك، ذلك أن هذه الدول سجلت تطوراً مهماً في ما يخص باقي وسائل الأداء سيما بطاقات الائتمان التي أصبحت في بعض هذه الدول تتقدم على الشيك في ترتيب لائحة وسائل الأداء، بينما مازال الشيك في المغرب يلعب دوراً حيوياً ومهماً في المعاملات بين التجار وحتى بين غير التجار.
إلغاء تجريم الشيك بشكل تام من شأنه أن يخلق نوعاً من الاضطراب وعدم الثقة في التعامل بهذه الورقة التجارية، خاصة أنه بقدر ما تعود الناس على اللجوء إلى الطريق الجنائي بخصوص الشيكات بدون رصيد، فإنهم يجهلون وجود الطريق المدني للمطالبة بحقوقهم، ومن ثم سيسود الاعتقاد لمدة ليست باليسيرة أن إلغاء التجريم يعني إلغاء أي قيمة قانونية ملزمة للشيك وإلغاء طرق المطالبة القضائية بقيمة الشيك، وهو ما سيجعل الناس يفقدون الثقة في التعامل بالشيك.
ومع ذلك فإن كثرة القضايا المعروضة على المحاكم بخصوص جرائم الشيك، فضلاً عن تردد غير التجار في التعامل بالشيك رغم توفرهم على المؤونة، نتيجة الخوف من تداول الشيك وتقديمه للوفاء في وقت تكون فيه المؤونة غير متوفرة أو غير كافية، يجعل خيار إلغاء التجريم من الخيارات التي لا يمكن إهمالها.
لذلك، ومن أجل تفادي مشاكل الإلغاء التام والكلي لجرائم الشيك، وفي الوقت نفسه تخفيف العبء عن المحاكم وتشجيع غير التجار على التعامل بالشيك، خاصة في المعاملات البسيطة، فإن الخيار الأنسب هو الأخذ بالإلغاء الجزئي والمتدرج لجرائم الشيك، مع تدعيم ذلك بآليات الوقاية وبدائل المتابعات والعقوبات الجنائية، بالتنصيص على مايلي:
1 – إلغاء جريمة الشيك بدون مؤونة بخصوص الشيكات ذات القيمة الزهيدة، حيث لا تقوم جريمة عدم توفير مؤونة شيك إلا إذا تجاوز المبلغ سقفاً معيناً (10.000 درهم مثلاً).
من مزايا هذا الخيار أنه من جهة يشكل إطاراً للاختبار والتجربة، من أجل الوقوف على الآثار التي ستنجم عن إلغاء التجريم جزئيا، حيث إذا كانت آثار إيجابية أمكن تعميم إلغاء التجريم في وقت لاحق ليشمل جميع الشيكات مهما كانت قيمتها، ومن جهة أخرى فإن هذا الحل سيخفف العبء بشكل كبير عن المحاكم و الشرطة القضائية، باعتبار أن أغلب قضايا الشيكات تتعلق بمبالغ زهيدة لا تتعدى 10.000 درهم.
-2 التنصيص على تمكين الساحب من مهل لتسوية وضعية حسابه وتوفير المؤونة، مع ربط هذه المهل بجزاءات مالية ترتفع كلما طالت المدة الممنوحة، على غرار النهج الذي اتبعه المشرع الفرنسي والمشرع التونسي.
-3 تفعيل العدالة التصالحية في مادة الشيك بالتنصيص على مسطرة للوساطة تكون ملزمة للتجار في ما يتعلق بالمعاملات التجارية قبل تقديم شكاية من أجل عدم توفير مؤونة شيك (يتولى مسطرة الوساطة الإجبارية رئيس المحكمة التجارية مثلاً)، مع جعل جرائم الشيك مشمولة بمسطرة الصلح الجنائي المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية حتى وإن كانت العقوبة المنصوص عليها لا تدخل في نطاق مسطرة الصلح الجنائي.
-4 جعل العقوبة متناسبة مع الخطورة الاجرامية في جرائم الشيك، وذلك بالتدرج في العقوبات، من خلال إفراد عقوبة مخففة عندما تكون قيمة الشيك هزيلة، وتشديد العقاب في حال سحب شيك بدون رصيد بقيمة كبيرة، أو في حال تعدد الشيكات غير المتوفرة على المؤونة أو في حالة العود.
-5 التنصيص على حفظ القضية بقوة القانون من طرف النيابة العامة في حال أداء قيمة الشيك، ووقف الدعوى العمومية من طرف المحكمة في حال الأداء بعد إجراء المتابعة، مع إلغاء المادة 325 من مدونة التجارة لأنها ستكون غير متناسبة مع هذا المقتضى في حال التنصيص عليه.

-6 الإبقاء على بعض الجرائم حتى وإن تعلق الأمر بالشيكات ذات المبالغ الزهيدة التي لا تكون موضوعاً لجريمة عدم توفير مؤونة شيك، وذلك من أجل تدعيم آليات الوقاية وتفادي الاستعمال الاحتيالي للشيك، ومن ذلك الإبقاء على جرائم تزوير وتزييف الشيك، النصب باستعمال الشيك، سحب شيكات رغم وقوع الساحب تحت الحظر البنكي، أو في حال سحبه لشيكات على حساب مغلق مع علمه بذلك.
*دكتور في الحقوق
تفعيل العدالة التصالحية في مادة الشيك بالتنصيص على مسطرة للوساطة تكون ملزمة للتجار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق