ملف الصباح

بورتريه: “الحاج قاسم مول البيران”

لا يهدأ له بال إلا إذا وضع قدمه في أول طائرة تغادر إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة، حتى إنه لا يعرف عدد المرات التي ذهب فيها إلى السعودية حاجا أو معتمرا، وعدد المرات التي صحب فيها زوجته “الحاجة” وأبناءه وأحفاده وشقيقاته.
يحب الحاج من اللباس أبيضه، ويلف رأسه بعمامة صفراء، ويغطي وجهه بنظارة شمسية من ماركة عالمية، كأنه يخفي شيئا ما، وينتشي كثيرا حين يطلق عليه رجال أمن بالمطار وموظفي الاستقبالات وختم الجوازات “الشيخ قاسم”، فيبادلهم ابتسامة فارهة تفرج عن أسنان اصطناعية ناصعة، ويتمتم في سره “بارك الله فيكم”، علما أن الجميع يعرف من يكون “الشيخ” وعدد محلات بيع الخمور والبارات والملاهي التي يديرها بالعاصمة.
يحرص الحاج قاسم على أداء الفروض ويلتزم بأوقاتها مثل ساعة سويسرية، وأكثر من يزعجه إلا تتلى آيات من الذكر الحكيم في جميع محلاته في الساعات الأولى من الافتتاح، ويعاتب مستخدميه كثيرا على عدم أدائهم صلاة الجماعة في أوقات الفراغ، في حين يتكرم على الجميع بنصف يوم مجاني بعد صلاة الجمــــــعة.
يحلف أغلب من عرفوه بأخلاقه وطيبوبته وتدينه، وكرمه الحاتمي، خصوصا في المناسبات والأعياد. واعتاد عدد كبير من الفقراء والمعوزين التجمهر أمام باب فيلته لتسلم قفة رمضان وزكاة عيد الفطر، بينما يحمل خرافا من ضيعته لتوزيعها على أصدقائه بالمدينة مع اقتراب عيد الأضحى.
يمشي الحاج قاسم بخفة بين الحلال والحرام، ولا يعدم الحجج الدامغة في تبييض أموال قذرة في أموال الخير، ويسوق عددا من الشهادات والقرائن والأمثلة في سبيل ذلك. ولا يزعجه أبدا أن يعتبر تجارته في بيع الخمور وإدارة الملاهي و”البارات” رزقا سخره إليه الله دون غيره لإنفاق عائداته في وجوه الحلال.
قبل سنوات، انتبه الحاج قاسم إلى أهمية الاستثمار في العقار، فربط علاقات وطيدة مع موظفين في الوكالة والأملاك المخزنية وحصل على بقع أرضية في أطراف المدينة بأسعار تفضيلية، شيد عليها خمس تجزئات باع شققها الفاخرة بثمن السوق، وبنى حولها عددا من المرافق يتوسطها مسجد كبير أطلق عليه مسجد “الفضيلة”، واستطاع أن يقنع مسؤولي الوزارة بتعيين إمام وخطيب وبناء مدرسة لتجويد القرآن.
لا تفارق السبحة أنامله ولا تكف شفتاه عن التسبيح والحمد حتى في أوقات العمل الذي يلتحق به بعد العشاء مباشرة، حين يصعد إلى مكتبه في الطابق الأول من الملهى الشهير بالمدينة، ومن هناك يدير “الشيخ” جميع أنشطته الليلية عبر وسائل اتصال متطورة، وكاميرات مبثوثة في كل مكان يطلع على حركاتها وسكناتها على شاشات موضوعة أمامه.
يتدخل الحاج قاسم في كل شيء تقريبا، بدءا من كميات الخمور بأنواعها المطلوبة كل ليلة، والأطباق المفضلــة، وحتــى أنــواع “القطعـة”، أما تنظيم مجموعات “الفتيات” داخل محلاته، وتدبير شؤونهن مع الزبناء فهي لعبته.
لا يفارق الحاج مكتبه في الطابق العلوي إلا مع أذان الفجر، حين يخلع حذاءه وبذلة العمل، وينتعل بلغة ويرتدي جلابة بيضاء، ويتجه إلى بيت الوضوء، استعدادا للصلاة..جماعة..وفي المسجد.
ي. س

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق