مقالات ذات صلة

1 تعليق

  1. 1

    الدكتور ميلود العضراوي

    زمن التخبط
    لقد أشرفنا على قرن تقريبا وبالضبط اثنان وتسعون سنة على صدور كتاب الشيخ على عبد الرزاق “الإسلام وأصول الحكم”،حيث ثارت ثائرة الأزهر كالعادة وانتفضت زمرة المتعصبين من “علمائه” بمعية القصر آنذاك على عهد الملك فؤاد الأول ،ضد الكتاب وصاحب الكتاب، واستمرت الحملة بكل ما حملته من الحقد والتعصب الأعمى والجهل.لدرجة أن كتاب “الإسلام وأصول الحكم” تم منعه وطرد صاحبه من الأزهر وهو ما ذكرني بما حدث لأبوحفص الذي نطق بشهادة حق هي عبارة عن فتوى تخص الإرث في الإسلام، الرجل عالم دين وتحدث بما أملاه عليه ضميره وقناعته العلمية واجتهاده الفقهي، لم يضه لا نزرية ولا كتاب مثل الشيخ عبد الرازق ومع ذلك ثارت ضده لوبيات القداسة المترمغة في الريع الديني ونعمه وأقصته عن الجمعية التي ينتمي إليها .عودة إلى كتاب الشيخ عبد الرازق لأنه مثال نحتاجه في الوقت الحاضر ولأن كتاب” الإسلام وأصول الحكم” لم يكن كتابا دينيا وحسب فقد تعرض بنفس المقياس لتمحيص نوعية الحكم في الإسلام وموقفه من الأنظمة السياسية التي سادت الأمة باسم الإسلام.مركزا بالأساس على ضرورة تجديد الدين الإسلامي على ضوء مستجدات الحضارة القائمة والبحث عن موقع في عالم يتطور باستمرار مشيرا إلى أن تشذيب الدين من العوالق والنتوءات غير الضرورية وتجاوز التقليد الأعمى للسلف ،هو السبيل الوحيد للخروج من أزمة التخلف والجهل والعصبية المذهبية والجمود. وعلى الرغم مما عانى منه الشيخ عبد الرازق من اضطهاد من أجل أفكاره وعلى الرغم مما قيل عنه أنه تراجع عن أطروحة الكتاب،فإن ما تضمنه الكتاب من فكر هو أكبر من أن يتبرأ منه، والسبب أنه فكر إنساني لا يمكن التخلي عنه بسهولة ، فقد صار محتواه ملك للحضارة والإنسانية،لم يتخلى غليلو غاليلي عن نظريته في دوران الأرض لأنه صالح الكنيسة كي لا يقتل، وكذلك فعل الشيخ عبد الرازق حين أبدى بعض التراجع عن فحوى الكتاب،ولكن رغم ذلك استمر فكره الذي ارتبط بالتحديث الضروري لمناهج الحكم في الإسلام،ولو تأتى ذلك في حينه لكان العالم العربي والإسلامي على غير ما هو عليه الآن.فقد كانت الفكرة متقاربة في الغرب في القرن الرابع عشر الميلادي لأن هذا كان هو المطلب في تغيير مناهج الحكم في أوروبا وهو ما ارتبطت به الحداثة الغربية بعد القرن السادس عشر وهو مبدأ إصلاح الحقل الديني والسياسي والبحث عن نظام كوني للحكم . مما انعكس على إصلاح الفكر الديني أيضا وذلك بسبب الترابط الوثيق والتطابق الجوهري الذي يجمع بينهما قديما وحديثا.
    موقف الأستاذ فكري المدعو أبو حفص الأخير من خاصية الإرث في الإسلام هو قيمة اجتهاد إصلاحية تصب في الاتجاه الإصلاحي وليس ثورة تحديث في جوهر الدين الإسلامي ولا زعامة للتغيير في ثوابته وهي من المباح الذي سبق إليه شيوخ وعلماء ومفكرون من قبل في محاولاتهم لتأسيس وتأصيل منظور عقلي وشرعي جديد لتحديث مناهج الفقه الإسلامي التي تسير منذ قرون خلف الرواية والحديث وتكرس الأخطاء الفادحة التي تتناقض مع العقل في كثير من الحالات الاجتماعية الشرعية ،في حين يمكن معالجة المواقف من الكتاب والسنة والكف عن ضرب عرض الحائط نصوص القرآن الكريم واعتبار متون الحديث المروية بالعنعنة والتواتر السمعي منهجا للحكم في قضايا لم يعد يستسيغها العقل،لذلك لم يكن هناك من داع لطرد هذا الرجل من رابطة العلماء(علماء الدين ) بسبب رأيه المخالف وإثارة إشكالية حرية الرأي والحق في الاختلاف من جديد.فقهاء التسلف ما زالوا لم يستوعبوا أنهم يعيشون في عالم تغير ويتغير باستمرار وان إكراهات التغير تفرض نفسها تدريجيا وتصل إلى الحد الذي لا يمكن أن يسمح فيه بضرب الحضارة المعاصرة في الصميم والتشبث بثقافة المغاوير الماقبل حضارية التي تتجسم في أسطرة الواقع المستمرة ونكران للعقل والفكر.ثقافة مجتمعنا الآن هي نتاج حضارة المجتمع الكوني بصفة عامة، وبصورة أشمل هي عنصر من حضارة القرن الواحد والعشرين وهي نتيجة تفاعل الزمان والمكان والعقل والمجتمع وثمرة التزاوج بين الموروث النقلي والمحدث المكتسب وخبرة الحياة وتجارب العقل والفكر ونتائج البحث في مختلف العلوم.صحيح أن هناك عناصر اختلاف عميقة بين افسلام والقيم الحضارية الكونية السائدة الىن ولكن هناك عناصر مشابهة للفهم التحديثي للحضارة الإسلامية مع الغرب،حيث يبدو أن الإسلام طالب منذ بزوغ شمسه على العالم بتكريس مجموعة من القيم المشابهة لحضارة الغرب،غير أنها لم تتجاوز عصر الحلافة ، وبعد مرور قرن على وفاة النبي (ص) اكتشف المجتمع الإسلامي مفهوما مخالفا تماما لقيم الإسلام مصدره الحديث وقطبية أهل الجماعة المدعوون زورا في التاريخ بأهل “السنة” والذين وقفوا عند البخاري ومسلم ولم يتجاوزوه في أفق مساءلة العقل والفكر عن مدى التبعية التي ينتهجونها وتبريرات الأغلاط والانتماء بالتعصب للسلفية الجامدة على الرغم من الثبوت القاطع لاختلالاتها الفاضحة التي أدينت على أيدي علماء سنة من قلب دار العلم سواء في الأزهر أو في غيره.لقد وقف الجميع الآن على التناقضات العميقة التي تسببت فيها الرواية والسيرة والفقه،لكن سدنة السلفية المتطرفة وقفوا أمام كل تجديد للفكر قديما وحديثا. قديما حاول ابن رشد أن يوفق بين النقل والعقل ( العقيدة والفكر) في القرن الحادي عشر الميلادي، ولكن فقهاء الظلام والمحدثين المتكالبين والمتكلم
    ة المؤولين من معاصريه أدانوا تلك المحاولة وقاموا بتكفيره وحرق كتبه، في حين استعمل الغرب في القرن الرابع عشر تفكير ابن رشد وعقلانيته في صناعة النهضة متمكنين من تجاوز كل العقبات التي أقامتها الأورتودوكسية والفكر الديني المحافظ أمامهم.لقد استطاع الغرب خلق فكر متجدد باستمرار، على أساس عقلانية ابن رشد وهو روح التطور التي ما تزال جذوته مشتعلة حتى الآن، في حين تقهقر المسلمون وصاروا خارج الحضارة المعاصرة.

    الرد

أترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

"الصباح" هي النسخة الالكترونية لصحيفة الصباح الورقيةّ، صحيفة مغربية مستقلة تصدرها مجموعة ايكوميديا
موقع جريدة الصباح 2019