مجتمع

تفاصيل المواجهات بين الأمن والمحتجين باليوسفية

إحالة ثمانية معتقلين على الوكيل العام وإدارة السكك الحديدية تحصي خسائرها

كادت الأمور بمدينة اليوسفية، أن تأخذ منحى أكثر سوءا بعد مواجهات بين الأمن والعشرات من المتظاهرين، ليلة الأربعاء/ الخميس الماضيين، إذ تحولت أحياء المدينة إلى ساحات للمواجهة وحالات كر وفر بين قوات الأمن والمحتجين، ما أسفر عن عدة اعتقالات، وأبقت المصالح الأمنية ثمانية متهمين رهن الاعتقال، في حين أطلق سراح باقي المتهمين بعد الاستماع إليهم، وإنجاز محاضر على شكل معلومات قضائية، وفق تعليمات النيابة العامة.
ورغم ذلك، فإن حالة ترقب وانتظار ما قد تسفر عنه الأيام القليلة القادمة، هو السمة التي تطغى على التعاطي مع الأحداث التي شهدتها اليوسفية، إذ رغم عودة الحياة بشكل نسبي إلى المدينة، فإن قوات الأمن بمختلف تشكيلاتها مازالت تتجول بأغلب شوارع المدينة، مقابل احتجاجات هنا وهناك، في وقت تمت إحالة ثمانية أشخاص فقط على أنظار النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بآسفي، يوم الجمعة الماضي.

احتلال سكة القطار
كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرا من يوم الأربعاء الماضي، عندما قرر مجموعة من الشباب العاطل من أبناء مدينة اليوسفية وقرية سيدي أحمد، التي كانت تعتبر خزانا للفوسفاط، التوجه نحو السكة الحديدية بالقرب من حي السلام (الراية)، والاعتصام هناك ثم إيقاف حركة سير القطارات، بهدف لفت الانتباه إلى معاناتهم مع البطالة وفي خطوة لإجبار المكتب الشريف للفوسفاط على الاستجابة لمطالبهم المتمثلة في التشغيل الفوري، وكذا التزام المؤسسة ذاتها بما سبق وأن تعهدت به.
المصالح الأمنية كانت على أهبة الاستعداد، إذ بمجرد وصول المحتجين إلى خط السكة الحديدية، حتى توجهت سيارات تحمل عناصر القوات الأمنية إليه، ودخل ممثلو السلطة المحلية والأجهزة الأمنية في حوار مع المحتجين، مفاده أن الاحتجاج بهذه الطريقة مرفوض تماما وعلى الإطلاق، وأنه لا يمكنهم الاحتجاج باحتلال خط السكة الحديدية ووقف حركة سير القطارات.
وفسر مصدر أمني هذا الأمر، بأن هناك حكما قضائيا، صدر عن المحكمة الابتدائية باليوسفية، لفائدة مجمع الشريف للفوسفاط، الذي سبق أن تقدم بمقال استعجالي إلى رئيس المحكمة الابتدائية، يطالبه بتحرير الخط السككي، لنقل الفوسفاط  انطلاقا من الخطط السككي اليوسفية آسفي وابن جرير، وصدر أمر استعجالي من المحكمة ذاتها، يأمر ضباط الشرطة القضائية بإجلاء الخط.
«نحن هنا لتنفيذ حكم قضائي صدر عن المحكمة، وبالتالي، فإذا كان حق الاحتجاج مشروعا، فإن حق نقل البضائع وتنقل المسافرين مضمون..»، يقول مصدر أمني، قبل أن يعلق أحد العاطلين بأن «كل الأشكال الاحتجاجية التي سبق أن خضناها لم تجد نفعا، وبالتالي لم يبق لنا سوى هذا الشكل الاحتجاجي».
وهدد أحد المحتجين بالانتحار في حال عدم الاستجابة لمطالب المحتجين، إذ صعد فوق القطار، قبل أن تتدخل السلطات المحلية لإقناعه بالعدول عن هذه الخطوة.
ظلت المفاوضات مستمرة، وبدا المحتجون أكثر تشبثا بالاعتصام بالخط السككي، وربطوا انسحابهم منه، بلقاء فوري بعامل الإقليم عبد الرحمان عدي، لتدارس العديد من الإشكالات وفي مقدمتها عدم التزام إدارة الفوسفاط بما سبق أن تعهدت به في اجتماعات سابقة عُقدت بحضور عامل الإقليم والمندوب الإقليمي لوزارة التشغيل.
استمر حوار ممثلي السلطة المحلية مع المحتجين بسكة القطار، دون أن يفضي إلى نتيجة، لتتدخل قوات الأمن لتفريق المحتجين بالقوة، واعتقال عدد منهم، أغلبهم قاصرون، لينطلق الفصل الأول من التراشق بالحجارة، وتمت مطاردة المحتجين داخل دروب وأزقة حي السلام والأحياء المجاورة.
وكان من نتائج ذلك إصابة أزيد من ست سيارات أجرة بخسائر مادية، بعد رشقها بالحجارة من أعلى الهضبة بحي السلام، في حين أصيب عنصر من قوات التدخل السريع إصابة وصفت بالخطيرة في عينه اليسرى، تم نقله إثرها إلى المستشفى المحلي لالة حسناء باليوسفية، ومنه إلى مستشفى  ابن طفيل بمراكش، لتلقي العلاجات الضرورية.

مواجهات بين الأمن والمحتجين
ساعتان بعد ذلك بدت أغلب أحياء مدينة اليوسفية فارغة إلا من المحتجين وقوات الأمن التي تطاردهم في الشوارع. لجأ المحتجون إلى الرد على القوات الأمنية بالرشق بالحجارة، أو وضع أحجار ومتاريس وحاويات الأزبال أمام سيارات الشرطة لعرقلة عمليات المطاردة، وهو من نجحوا فيه، خصوصا ببعض الأزقة الضيقة التي اختاروها للهروب من المطاردات.
وبحي السلام، استعان عنصر أمن بعدة مواطنين من أجل تخليصه من قبضة أزيد من خمسة شباب، بعدما وجد نفسه وحيدا بينهم، في حين غادرت الفرقة التي كان برفقته دون تنتبه إليه.
انتهى الشوط الأول من المواجهة بعدة اعتقالات، وعادت القوات الأمنية إلى مواقعها، في حين شرعت عناصر الشرطة القضائية المحلية بالمنطقة الأمنية الإقليمية لليوسفية، في إنجاز محاضر بالنسبة إلى المعتقلين الذين لم يكن عددهم في بادئ الأمر يزيد عن ستة أشخاص.
في حدود الساعة العاشرة مساء من اليوم نفسه، خرج أعضاء الفرع المحلي الجمعية الوطنية لحملة الشهادات   العاطلين، في وقفة احتجاجية ضد الاعتقالات التي استهدفتهم في المراكز الفوسفاطية لليوسفية وآسفي وابن جرير وخريبكة، مرددين شعارات تعكس مطالبهم.
كانت انطلاقة الوقفة من أمام مقر عمالة اليوسفية، للتوجه بعد ذلك نحو المحكمة الابتدائية، ومنها إلى مقر الخيرية الإسلامية، حيث تقيم عناصر القوات العمومية التي حضرت من ابن جرير ومراكش ومدن أخرى.
شيئا فشيئا بدأت أفواج المتعاطفين تنضم إلى المسيرة التي أصبحت مكونة من حوالي ست مائة شخص، من ضمنهم عدد لا يستهان به من القاصرين، وتوجهوا في مسيرة جابت عدة شوارع بالمدينة، قبل أن تكون وجهتهم مقر المنطقة الأمنية الإقليمية، للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الذين جرى إيقافهم خلال اليوم ذاته.
بمجرد وصول المحتجين إلى مقر المنطقة الأمنية انتقلت عناصر القوات العمومية إلى هناك، تحسبا لأي طارئ، إذ لم يدم الانتظار طويلا، حتى تم رشق مقر المنطقة الأمنية بالحجارة، لتعم بعد ذلك فوضى عارمة، ويتم تبادل الرشق بالحجارة، في وقت طاردت القوات الأمنية المحتجين في شوارع المدينة، وتم إيقاف أزيد من 45 شخصا منهم أشخاص كانوا يقومون بتصوير وقائع المواجهة الأمنية بهواتف محمولة.
ولم يسلم بعض المارة من اعتقالات وصفت بالعشوائية من طرف القوات الأمنية، التي اقتحمت مقهى بشارع بئر أنزران بعدما ولجه فارون.
واستمرت المطاردات الأمنية إلى حدود الساعة الرابعة من صباح يوم الخميس، لتكون الحصيلة بذلك عدد من الجرحى في صفوف المحتجين وقوات الأمن.

معتقلون في ضيافة الشرطة
تقدمت إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية بشكاية إلى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بآسفي، ضد مجهول، في شأن عرقلة سير القطارات، المتوجهة من اليوسفية إلى آسفي وتلك القادمة من ابن جرير.
واعتبرت شكاية السكك الحديدية أن ذلك كبد هذه الأخيرة سخائر مادية جسيمة، مطالبة بفتح تحقيق في النازلة واتخاذ ما يلزم قانونا.
وبناء عليه، استمعت عناصر الشرطة القضائية المحلية لأمن اليوسفية، إلى ممثل عن المكتب الوطني للسكك الحديدية في محضر رسمي، أكد فيه على ما تضمنته الشكاية، مؤكدا إصرار المكتب الوطني للسكك الحديدية على متابعة المتهمين، وكل من ثبتت علاقته بذلك.
كما استمعت الفرقة الأمنية ذاتها، إلى المتهمين الثمانية، منهم عضو بشبيبة الحزب العمالي، وآخر كان مبحوثا عنه من أجل احتجاز قاصر وترويج المخدرات، ووجهت للمتهمين تهم التجمهر غير المرخص واحتلال سكة القطار ووقف حركة سيرها والضرب والجرح في حق موظفين عموميين وإتلاف ممتلكات عامة..

قبل البدء.. أخطاء متراكمة
عادت الحياة إلى طبيعتها نسبيا الخميس الماضي، رغم أن سيارات عناصر الأمن ظلت تجوب بعض شوارع المدينة، وتتردد على بعض الساحات التي اعتاد المعطلون التوجه إليها لانطلاق احتجاجاتهم.
وبجماعة الكنثور (قرية سيدي أحمد) التي تبعد عن اليوسفية بحوالي سبع كيلومترات، نظمت وقفة احتجاجية عشية الخميس، مطالبة بالإفراج الفوري عن المعتقلين الذين تم إيقافهم من طرف المصالح الأمنية ليلة الأربعاء/ الخميس، وضمان حقهم في الشغل.
ولم تسجل خلال تلك الوقفة أحداث شغب أو فوضى، إذ انسحب المحتجون بعد حوالي ساعتين إلى منازلهم.
كما نظمت جمعية للمعطلين وجمعية حقوقية صباح الجمعة قافلة تضامنية إلى مقر محكمة الاستئناف بآسفي، وقفة احتجاجية أمامها، بتزامن مع تقديم المتهمين الثمانية أمام الوكيل العام للملك بالمحكمة ذاتها.
ورغم ذلك، فإن العديد من الفعاليات السياسية والجمعوية المحلية، أكدت في تصريحات استقتها «الصباح» أن الوضع بالمدينة متشنج إلى حد ما، ولا يمكن معرفة ما تخبئه الأيام لها.
ولم تخف فعاليات تحدثت إلى «الصباح»، الإشارة إلى ضرورة احتواء الوضع بالمدينة، وفتح نقاش هادئ من أجل الوصول إلى حلول تجنب المدينة دخول متاهات الفوضى والتخريب، «لأن المسؤولية اليوم مشتركة بين كل فعاليات ومكونات هذه المدينة، من أجل معالجة أخطاء الماضي، التي كان من نتائجها تهميش هذه المنطقة وتحويلها إلى بقرة حلوب»، يعلق مصدر حقوقي.
عودة المحتجين بمدينة اليوسفية، يوم الأربعاء الماضي إلى احتلال سكة القطار، بعد أزيد من أسبوعين من الهدنة، تفسره مصادر «الصباح»، بغياب تصور واضح لمعالجة مشكل العطالة بالمنطقة، وعدم تنفيذ عدة اتفاقات تم الوصول إليها بين إدارة الفوسفاط وممثلين عن المعطلين والسلطات الإقليمية.
مصادر «الصباح»، اعتبرت أن العلاقة السيئة للمدير السابق لمديرية الاستغلالات المنجمية لمنطقة الكنثور مع عامل إقليم اليوسفية، ساهمت في تطور مشكل المعطلين، الذين نظموا وقفات واعتصامات إنذارية قبل أسبوعين بمقر إدارة الفوسفاط بالمدينة، دون فتح أي حوار معهم، وهو ما استدعى من إدارة مصطفى التراب، إعفاء مدير مديرية الاستغلالات المنجمية لمنطقة الكنثور باليوسفية من مهامه وتعويضه بإطار بالمجمع الشريف للفوسفاط قبل أسبوع.
كما تشير مصادر «الصباح»، إلى أن استعانة إدارة الفوسفاط في إطار عقدة مع إحدى شركات المناولة، على جلب العمال من خارج المنطقة، أزم علاقة المعطلين بإدارة الفوسفاط، إذ اعتبرت جمعيات لهم، أن ذلك كان مقصودا والهدف منه إقصاء أبناء المدينة من التشغيل.
وتعول عدة جهات حقوقية ومدنية بالمدينة الفوسفاطية، على فتح جسور الحوار مع المعطلين بالمدينة، وإحداث تغييرات جذرية بعدة مصالح بمديرية الاستغلالات المنجمية للكنثور، كمصلحة الشؤون الاجتماعية، التي تشير عدة تقارير حقوقية إلى تراجع دورها الاجتماعي والثقافي، واقتصارها على أنشطة خجولة لا تمس شرائح سكان اليوسفية، بقدر ما هي محاولة لإرضاء جهات معينة.

محمد العوال (موفد الصباح إلى اليوسفية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق