ملف الصباح

“البوم”… ديسكو يعج بالقاصرين متعاطي الشيشة

سهرات تتواصل إلى حدود الفجر وتؤثثها النرجيلة والموسيقى الشعبية الصاخبة وبائعات الهوى الرخيص

«بشيشا..كيتشيش..بشقيف كيتكيف..بسململل كيتململ…»، يصدح مكبرا صوت داخل «بوم» (ديسكو للفقراء كما سموه هم أنفسهم). الكلمات إياها تخرج من فم مغن هاو، يتوسل الغناء في الأماكن الرخيصة سبيلا لتدبر لقمة العيش.
«البوم»، وهي التسمية التي تطلق على أقبية بعض مقاهي الدرك الثاني والثالث…والأسفل بالميتروبول، يستخدم وكرا لإيواء كل ذي نزوة. لا أحد يعلم عددها، لكن أغلب الاعتقاد أنه بعدد المقاهي الموجودة في الدار البيضاء.
وفي «زيرو كات» (04)، وهي التسمية التي تطلق على بعض أحياء مقاطعة مولاي رشيد وترادف في الغالب كل أشكال الانحراف والإجرام، تنتشر الكثير من المقاهي التي تشكل قبلة للعشرات من المراهقين، ذكورا وإناثا، خلال شهر رمضان الكريم.

دعه «يتشيش»..دعه ينتشي
على شارع إدريس الحارثي تطل مقهى متواضعة، واحدة من ضمن العشرات التي تناسلت كالفطر بهذا الشارع وباقي أزقة وشوارع مقاطعة مولاي رشيد. في طابقها الأرضي تنتشر بضع كراس وموائد يتحلق حولها عدد قليل من الزبائن. عند أعتابها تجتاح منخري المرء روائح «معسل» محروق، طيبة وزكية، لكن ضررها وضحاياها كثر.
عند نفس الأعتاب، تغزو هذه المرة الآذان أصوات موسيقى شعبية صاخبة منبعثة من طابق تحت أرضي أسفل المقهى، تكاد تخرق طبلتي الأذن. الزبائن، أغلبهم قاصرون وقاصرات، الذين يلجون المقهى يقصدون رأسا القبو، من حيث تنبعث روائح «المعسل» (المستخلص غالبا من التفاح أو الفراولة أو العنب…)، والموسيقى التي تصم الآذان.
أمام الدرج المؤدي إلى جوف القبو يقف «فيدور» يجلس أمام طاولة وأمامه دفتر تذاكر يقتطع منه للوافدين على «البوم». وإلى جانبه فتاة في حوالي الخامسة والعشرين من العمر، ولا نصيب لها من الجمال. وجهها مطلي بمواد التجميل، شفتاها تكبسان على سيجارة، تمتصان دخانها بشراهة وتنفثانه بلذة ظاهرة.
«عشرون درهما للفرد الواحد»، يقول الفيدور/موزع تذاكر ولوج «البوم»، منبها مراهقا قاصرا يهم بالغوص في القبو، الذي بدأت روائح «الشيشا» المنبعثة منه تزداد شدتها، دون أن يؤدي تعريفة الولوج. بالقرب من «الفيدور» ترتفع أيضا حدة الصخب القادم من جوف القبو.    
الدرج الذي يقود إلى باطن القبو ضيق وشديد الانحدار. تتقدم من الأسفل نادلة بسرعة ملحوظة، يهتز معها صدرها وردفاها البارز تفاصيلهما من شدة التحام قطع القماش بجسدها القصير والممتلئ.  تحمل في يدها اليمنى صينية فارغة. العرق يتصبب بغزارة من جبينها فوق محياها الأسمر وعنقها الممتلئ.  
في الأسفل، داخل القبو، الأدخنة التي أفرزتها ما يقارب العشرين نرجيلة تحولت إلى سحب تكاد تحجب الرؤية. النادل داخل القبو، شاب في الثالثة والعشرين من عمره، يتنقل بخفة كبيرة بين الكراسي والموائد المبعثرة وسط القبو. يحمل في يديه «مجمرا» مليئا بقطع جمر صغيرة وشديدة الحمرة. العرق يتصبب منه غزيرا. آثار البلل تبدو على القميص الأحمر الذي يرتديه.

أعطني «الشيشا»..وارقصي
على الكراسي المبعثرة هنا وهناك يجلس مراهقون ومراهقات، ينتشون بشرب النرجيلة ونفث دخانها الأبيض الكثيف في فضاء القبو الذي بالكاد تقارب مساحته الخمسين مترا مربعا. حرارة القبو جد مرتفعة. لا يمضي على جلوس المرء به خمس دقائق حتى تبدأ مسام جلده في التدفق عرقا. نكهات «المعسل» الرديء تغلب عليها رائحة الفراولة النفاذة.
القاصرون المراهقون يتداولون خراطيم النرجيلات القذرة بينهم. النادلة ذات القامة القصيرة والجسد الممتلئ تعود إلى القبو، والصينية مازالت في يدها اليمنى لكن هذه المرة فوقها أربع صفائح من المشروبات الغازية. الصفائح التي خرجت للتو من ثلاجات بادرة، ما تكاد توضع فوق المائدة حتى تصير أقرب إلى كؤوس الشاي الدافئة.
«الناس كالو ليا علاش ما كتسحاش..كلت ليهم عندي كيا في كلبي وما كتبراش»، يقول مقطع من أغنية شعبية على إيقاع «الجرة». هذا الجو الصاخب تخلقه فرقة من ثلاثة شبان. واحد منهم يتولى الغناء بصوت نشاز هو أقرب إلى الصياح منه إلى الغناء، وآخر يتولى آلة الأرغن، والثالث يضع كمانجة، فقدت الكثير من لونها البني الفاقع، فوق ركبته. كلمات الأغنية تزيد ثلة القاصرين والقاصرات «نشاطا» وحيوية، فيبدأ بعضهم في القفز هنا، وآخرون يترنحون هناك. ثلاث فتيات يؤدين، رغم حداثة سنهن، رقصا مثيرا وجميلا في الآن نفسه. النادل المكلف بجلب الجمر، ينطلق في جولة للم النرجيلات التي احترق «معسلها» احتراقا كاملا، ويزود أخرى بمزيد من الجمر الملتهب، ويزيح رماد أخرى.
الواحدة من صباح الأربعاء (الماضي)، مزيد من المراهقين القاصرين والقاصرات يدلفون إلى جوف القبو، بعضهم يحمل سيجارة بين أصابعه، وآخرون يمدون أيديهم لتحية خلان لهم ويحشرون خراطيم «الشيشا» في أفواههم وينطلقون في عمليات شطف تصدر عنها أصوات هي أقرب إلى شخير حاد لعجوز بلغت من السن عتيا.
في الأركان المعزولة عن الأنظار من القبو يجلس كذلك رجال ونساء بالغات. الرجال والنسوة بدورهم يتبادلون مص الخراطيم الساحرة. مظاهر النسوة توحي بأنهن من ممتهنات البغاء الرخيص (كان الله في عونهن فقضمة خبز في هذا البلد صارت عزيزة..جدا)، وأن جلستهن في هذا القبو القريب الذي تغلب عليه العتمة والضبابية ما هي إلا جزء من المقابل الذي يتلقونه نظير خدماتهن.
رقص الفتيات الثلاث يزداد حلاوة وحيوية كلما ارتفعت حدة الصخب. مصاصو الخراطيم يواصلون شفط ما تجود به النرجيلات وينفثونه في فضاء الوكر الذي تذكر حالته بزمن الهيبيين والبوهيميين. الحرارة تشتد والعرق يواصل تدفقه والنادل مازال يحمل مجمره معرضا إياه لهواء مروحة مهترئة ليشتد لهيبه.
تزداد جرعات «الجرة»، غالبية الموجودين بالقبو الحار والمختنق من شدة ما نُفث فيه من أدخنة بيضاء كثيفة انخرطوا في رقصات كتلك التي تأتي  بها القردة وحيوان الكنغر في نطهم. النادلة ذات القوام القصير والممتلئ تسلم زبونا ورفيقة تجلس إلى جانبه صفيحتي مشروب غازي. تضع الصينية فوق إحدى الموائد وتدنو من «الجوق» الثلاثي. تلف قطعة قماش كانت تحيط برأسها حول خصرها وتنخرط في موجة رقص أكثر جاذبية وأكثر تناسقا وأكثر لفتا للأنظار.
ترتفع حدة التصفيق والتهليل للاهتزازات المثيرة التي يحدثها القد القصير والممتلئ..يتواصل الرقص ويتواصل المص والشفط من بطون النرجيلات، وتزداد حرارة القبو وتشتد ضبابيته حتى تعتم الأنظار ويواصل القاصرون والقاصرات عبثهم غير عابئين لا بمخاطر ما تقترفه أياديهم ولا بعواقبه، وفي غفلة، أو سياسة غض الطرف، من لدن سلطات الدارالبيضاء التي من المفروض أن تحارب مثل هذه الأوكار، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى انحراف أبناء وبنات هذا الوطن.

محمد أرحمني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق