fbpx
ملف الصباح

شيشة ومعسل وخرير حتى الفجر

مقاه تعج بزبناء مدمنين وأخرى تحيي حفلات ساهرة ممزوجة بغنج فتيات

لا ينقص عدد «المشيشين» أو يزيد في شهر رمضان، إنها الحقيقة الثابتة التي لامسناها أثناء زيارتنا لمقاهي الشيشة الموجودة بحي المعاريف بالدار البيضاء، حيث تصطف بشكل متتال داخل أحياء صغيرة، وتبدو  غيثوهات منغلقة على نفسها، إذ لا يمكن للزائر أن يهتدي إليها إلا عبر رائحة «المعسل» المنبعثة من نوافذها الصغيرة وأبوابها شبه مغلقة. هي عبارة عن مقاه غير معلنة، يسعى أصحابها إلى عدم إثارة الانتباه إليها لتفادي شكاوى السكان من ضجيجها المستمر والذي يمتد أحيانا إلى ساعات متأخرة من الليل، فضلا  عن رائحة الشيشة والدخان المنبعث الذي لا يطيقه السكان في غالب الأحيان، إلا أنهم ألفوا الأمر مع مرور الوقت، بل منهم من أصبحوا مدمنين على الشيشة بسببه.
مقاه متخصصة في تقديم الشيشة  بنكهة رمضانية في المعاريف، تختلط فيها أغاني المشرق  بقهقهات فتيات وشباب تبدو على وجوههم  آثار استرجاع الأنفاس بعد يوم طويل من الصيام.
تبدو أغلب هذه المقاهي في شكل صالونات منزلية دائرية الشكل، يتحرك وسطها فتيان مكلفون بإعداد الشيشة للزبناء. يستلقي  مدمنو النرجلية على كراس إما في شكل جماعي أو فرادى، وهم في الغالب يزورون المقهى طيلة أيام الأسبوع بانتظام.
يخبرنا سعيد، أحد الزبناء الأوفياء للمقهى أن مرتادي الأخيرة لا يتغيرون كثيرا في شهر رمضان، أو قبله، بل يعرفون بعضهم البعض، فهم مثل أفراد العائلة الواحدة، لا يترددون في السؤال عن أحدهم حين يتغيب لسبب ما. يجمعهم دخان الشيشة ونكهتها وتفرقهم الانشغالات اليومية.
يشدد سعيد على أنه مواضب على صلاة التراويح في رمضان، قبل التوجه إلى  القهى للاستئناس ب «خرير» الشيشة ونكهة معسل التفاح أو «التخليطة» أو» النعناع»، بالمقابل أغلب رواد المقهى لا تهمهم الصلاة بعد الإفطار بقدر ما ينتظرون آذان المغرب بفارغ الصبر  وتناول وجبة الإفطار بسرعة قبل التوجه إلى المقهى.
يحاول سعيد ألا تكون الشيشة في رمضان بديلا عن أداء واجبه الديني  بمبرر «اكتمال صيامه»، إذ لا يتردد محدثنا في تأكيد أن علاقته ب «الشيشة» لا تدخل في باب السمر الرمضاني، بل هي عادة بلغت درجة الإدمان اليومي.
مقاه مجاورة ببرج «التوين» وأخرى محيطة بالفضاء،  تعج بفتيات من مختلف الأعمار، أغلبهن يجتهدن في التحدث باللهجة الخليجية لكن لكنتها المغربية الأصلية تحول دون إتقان هذا الدور، فالمكان يطبعه الفن الخليجي والمقهى يرتاده المواطنون الخليجيون والمغاربة على حد سواء.

شيشة حرام أم حلال
يعتبر أغلب مدمني الشيشة في رمضان الذين التقتهم «الصباح» أن الحديث عن «تحريم» تناول النرجيلة في شهر الصيام هو مجرد كلام واه لا يستند على أي أساس معقول أو سند شرعي مقبول. بادرنا أحد جلسائنا في المقهى بطرح تساؤل مقابل: إذا صح الإدعاء بأن «تناول الشيشة» حرام في رمضان، فما نظر «الشرع» في تدخين السجائر والتوجه إلى كباريهات «النشاط» بعد الإفطار؟ ، يصر محدثنا على تفنيد الأمر، ويعتبر أن الصيام ينتهي مع أذان الإفطار والصلاة، وما بعد ذلك يبقى شأنا خاصا بالفرد شرط عدم «إتيان الفواحش» بلغة الدين.
«إقبال الفتيات صحبة شباب على  الشيشة، تقول ايمان) 22 سنة)، مرده إلى اختيار أغلبهن الترويح عن النفس في هذا الشهر رفقة الأصدقاء في المقهى وتبادل الحديث معهم حول أمور شتى، وتدافع ايمان عن حق المرأة في ولوج مقاهي الشيشة واحترام نزواتها مثلها في ذلك مثل الرجل، وتخبرنا المتحدثة أن صورة مغلوطة تنقل عن الفتيات اللائي يقصدن مقاهي الشيشة في رمضان أو خلال باقي أشهر السنة، مفادها أن أغلبهن يمارسن الدعارة وأن قدومهن إلى المقهى يكون بهدف  اصطياد الزبائن، وتستدل في قولها بمقاهي الشيشة في دول المشرق العربي، حيث تجلس النساء، متزوجات وعازبات، علنا في مقهى الشيشة دون مركب النقص.

خدمات متباينة
بجسد أنثوي مغر وحركات  ملؤها الدلال والابتسامة المثيرة، تنفث حنان دخان الشيشة لتقدمه للزبون، هذا هو عملها اليومي كل مساء في إحدى مقاهي المعاريف، لا تتوقف حنان عن “فحص” كل “شيشة” أمام الزبون، تقول حنان « التوافد على المقهى لا يختلف من حيث الزبناء في رمضان، فأغلبهم أوفياء للمكان، وهم في الغالب يتسأنسون جماعة بجلسات حميمية كالمعتاد تمتد إلى غاية موعد السحور.
تخبرنا حنان التي بدت منزعجة قليلا لكثرة أسئلتنا، عن أعداد الشيشة المقدمة كل ليلة “بالمقهى الذي أعمل فيه أقدم يوم ما يفوق خمسين شيشة، غير أن العدد يتزايد نهاية كل أسبوع خاصة خلال شهر رمضان حيث يكون الإقبال أكثر بكثير”.
التعامل مع الزبناء يختلف، فغالبا ما تكون شيشة الزبون التقليدي، متميزة من حيث جودتها وطريقة تقديمها، أما الزبون الجديد فغالبا ما يقبل بما يقدم إليه في البداية  قبل أن يهتدي إلى أسرار «الخدمة»، ماعدا في حال اصطحاب فتيات معه، وهنا تكون الخدمة من نوع خاص، إذ غالبا ما تختار بعض المقاهي عرض فتيات يتوفرن على قدر من الجمال، لا يتجاوز أغلبهن العشرين سنة، من أجل اصطياد زبائن أكثر سخاء.
مقاه الشيشة في «التوين سانتر» بالمعاريف منخرطة في ليالي رمضانية مفتوحة تحييها فرق موسيقية وفتيات تتمايلن على إيقاع الأغاني الخليجية بغنج ودلال، فشهر رمضان بالنسبة لأرباب هذه المقاهي فرصة لدر مداخيل أكبر بخلق فضاء ترفيهي من نوع خاص لزبائن رمضان الذين يبحثون عن المتعة والاستسلام للغرائز «الممنوعة» طيلة يوم كامل من الصيام والتي تبحث لها عن منفذ بعد الإفطار.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى