ملف الصباح

المواعد الغرامية تتأجج في ليل رمضان

فضاءات عامة تفتح أبوابها أمام الراغبين في ساعات سمر تطول حتى مطلع الفجر

متعة وسهر حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. مقاهي العاصمة ملأى عن آخرها، سيما الموجودة منها بأحياء أكدال والرياض.. نهر أبي رقراق بدوره لبس حلة السمر، وصار القبلة الأولى للراغبين من سكان سلا وتمارة في قضاء أوقات ممتعة على ضفافه.. إنها ليالي رمضان التي أشعلت حرارة نهارها لهيب لقاءات المساءات. بمجرد أن تنتهي صلاة العشاء والتراويح، حتى يتغير وجه المدينة التي كانت ساعتين قبل ذلك ترتدي جلباب رمضان، وبعد أن يتسارع سكان العاصمة، كل يتأبط سجاده ويسارع الخطى نحو المسجد القريب من سكناه، وحبذا لو كان يبعد بضعة أمتار تزيد من الأجر وترفع الحسنات بدرجات، تجدهم يسابقون الساعة بمجرد أن يختتم الإمام صلاة التراويح، يخلعون جلابيبهم، ويضعون السجادة والتسبيح، الفتيات يتزين ويرتدين آخر صيحات الموضة، يحذو حذوهم الشباب الذين بدورهم يتأنقون ويحرصون على أدق التفاصيل، حتى يبدو بالمنظر اللائق، فساعات طويلة من السهر والمتعة تفتح ذراعيها أمامهم، وتدعوهم إلى الارتماء في أحضانها.
«طبعا السهر في رمضان له نكهته الخاصة، ليل المدينة يختلف تماما عن باقي أيام السنة، الأضواء تنير الشوارع، التي ترحب بمرتاديها، كبيرا وصغيرا، عائلات أو أفرادا، الكل يغلق أبواب منازله ليستمتع بليل رمضان»، تحكي سارة (25 سنة)، مضيفة والبسمة تعلو محياها «هذه السنة رمضان مميز جدا، وجرعة السهر فيه مرتفعة قليلا لأنه تزامن مع فصل الصيف، أي اثنان في واحد، أعاده الله علينا وعليكم باليمن والبركات، وطبعا السهر لا يحلو إلا برفقة صديق أو عشيق، سيما أن كل المقاهي والفضاءات العمومية، تفتح ابوابها وتمتع مرتاديها بسهرات فنية تضفي طعما خاصا على لقاءات تدوم إلى الفجر».
وإذا كان شهر رمضان شهر عبادة وورع وتقرب إلى الله عز وجل، فهو أيضا شهر المتعة، تتأجج في لياليه المواعيد الغرامية، وتكثر لقاءات الأحبة، التي تفتح أمامهم ساعة الليل الطويلة، فرصة لتمطيط مواعد كانت في ما مضى من شهور قصيرة تنتهي بغروب الشمس، «فالرباط ما شي بحال مدون أخرى، الدار البيضا ولا مراكش، ولا حتى طنجة، غير كاتغيب الشمس كلشي كايدخل لدار، وحتى أكدال لي كا يتعطلو فيه الناس، مع التسعود كايكون خاااوي، من غير إيلا كانت شي وحدا ولا واحد عينو فشي حاجة خايبة»، تقول لبنى، تعمل بأحد مراكز الاستماع، مؤكدة أن شهر رمضان، الشهر الوحيد الذي يحول ليل الرباط إلى نهار، فلا تجد العائلات حرجا في السماح لبناتها وأبنائها بقضاء ساعات إضافية خارج المنزل.  
فبمجيء شهر رمضان تنقلب أحوال المدينة، وتنقلب معها سلوكات الحياة لدى الكثير من الأفراد، ويتغير توزيع الزمان رأسا على عقب، فيصبح الليل نهارا، والنهار ليلا، يستغل أصحاب الفنادق والمقاهي والملاهي هذا التغيير لتنظيم سهرات فنية يستدعى لها أجود الفنانين، يتم الإشهار لها والإعلام بمحتواها بشتى الوسائل، على أن يكون الليل حاضنها، ف»النهار مخصص للصيام والعبادة، وارتياد المساجد، فيما الليل نخصصه للسهر، واللقاءات والنشاط، كيما كايقولوا دين ودنيا»، يتحدث عصام، دون أن يرفع عينيه عن الساعة، في انتظار حبيبته، التي اتفق معها، كما جرت العادة خلال الشهر الأبرك على لقائها بأحد مقاهي أكدال الراقية، مشيرا إلى أنه بعد أن كان يلتقيها مرتين إلى ثلاث على الأكثر في الأسبوع لساعة أو ساعتين، «بفضل رمضان، صرنا نلتقي يوميا، بعد صلاة التراويح مباشرة، إلى حدود منتصف الليل، وأحيانا، قبل صلاة التراويح».
المواعيد الغرامية تذوب وتنصهر في الحركة الدؤوبة التي تعرفها شوارع المدينة طيلة ليالي رمضان، التي تعج بفتيات وشباب، بل عائلات بأكملها، وحدها كراسي المقاهي، والفضاءات العامة من تنتبه إلى وجودهم، وطبعا بائعات الزهور اللواتي يملأن حي أكدال في جل شوارعه وأزقته، قبل أن ينتقلن إلى شارع محمد الخامس أو ضفاف نهر أبي رقراق، دون أن يتعبن من ترديد عبارة، «خذ ليها هاد شي وريدا، عافاك، شوف شحال زوينة، الله يخليكوم لبعضياتكم، الله يزوجكم»، ولا يصمتن ويغيرن وجهتهن بحثا عن زبون مفترض، إلا بعد أن يضعن دريهمات في جيوبهن مقابل وردة حمراء تضع حجر الزاوية في لقاء حميمي طال انتظاره، فاستحق بذلك شهر رمضان لقب «جامع قلوب العشاق».
«العلاقات الغرامية، كثيرة برمضان ولا غير رمضان»، تقول سعاد أستاذة بإحدى الثانويات التأهيلية بالعاصمة بنبرة حادة، موضحة «هل شباب اليوم ينتظرون ليل رمضان ليجتمعوا؟ هل هم في حاجة أصلا إلى اللقاءات المباشرة؟»، تصمت لبرهة ثم تضيف «التكنولوجيا الحديثة ألغت كل المسافات، وصارت الفتيات والشباب على صلة ببعضهم البعض متى أرادوا ذلك، الأنترنيت والهاتف المحمول، أغناهم عن انتظار فرصة اللقاء، ووجدوا في العالم الافتراضي وما يوفره من وسائل حديثة تتطور يوما عن آخر بديلا حقيقيا، وإذا كانوا حقا يلتقون في مساءات رمضان، فهم يتبادلون عبارات العشق والغرام نهارا، كل من بيته، يُشعر الآخر بكم المشاعر التي يحملها إليه».

هجر المغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق