حوادث

دراسة: المحكمة العسكرية الدائمة بين التشريع والواقع العملي (الحلقة الثانية)

تمكين المتابعين أمام المحكمة العسكرية من حق الاستعانة بمحام

لئن كانت المصلحة الغائية من التصديق وسند القوانين داخل المجتمع، مردها بالأساس المحافظة على استقرار السلم الاجتماعي بين مختلف مكوناته على نحو يكفل ممارسة الحقوق في إطار منظومة قانونية تستلزم، من جهة، استيفاءها كافة الشروط الشكلية والموضوعية التي يقتضيها العقد الاجتماعي، ومن جهة أخرى عدم تعارض هذه المقتضيات مع مبادئ ونصوص

 

الدستور باعتباره يمثل أسمى القوانين، لكونه يعكس إرادة صريحة للأفراد بمقتضى اقتراع
علني.

لعل استثناء الجند من درجتين للتقاضي، فيه نوع من الحيف لشريحة تأسست على مبدأي الانضباط والطاعة، وهو ما يشكل ضربا لمبدأ دستوري يتمثل في مبدأ المساواة بين المواطنين دونما تفريق اعتبارا لصفتهم أو لمهنتهم.
ففلسفة المشرع في سنه لدرجة ثانية من التقاضي تطبيقا لمقتضيات المواد 396، 397 و457 من قانون المسطرة الجنائية، لم يكن من قبيل العبث، على اعتبار أنها تكتسي أهمية بالغة ضمن مراحل سير الدعوى العمومية.
فهي مرحلة تصحيحية للمرحلة الأولى ولما يعتريها من أخطاء أو تجاوزات، كما تعتبر أيضا مرحلة تدقيقية تروم  من جديد فحص وسائل الدفاع وتحليلها ومقارنتها من طرف قضاة ومستشارين ذوي خبرة وحنكة مهنية. وبالتالي، فاكتفاء المحكمة العسكرية الدائمة بدرجة واحدة للتقاضي من شأنه تضييع الحقوق وذلك للأسباب التالية :
السبب الأول : أن المحكمة العسكرية، وعلى عكس ما دأب عليه التنظيم القضائي المغربي عبر انتهاج مبدأ القضاء الجماعي، فإنها تصدر أحكاما في واقع الحال بقضاء فردي، على اعتبار أن المستشارين المشكلين لهيأة الحكم ليسوا قضاة وإنما هم ضباط أو ضباط صف يستقطبون من الثكنات العسكرية باقتراح عبر التسلسل الإداري، من طرف رؤسائهم المعنيين بالأمر، وبالتالي فليس لهم تكوين في المجال الحقوقي أو القضائي ؛
السبب الثاني : أن جل القضايا المعروضة على هذه المحكمة ليست عسكرية صرفة، وإنما تندرج ضمن الأفعال المنصوص عليها بموجب القانون الجنائي، مما يستعصي معه على هؤلاء المستشارين ملامسة العناصر المادية والمعنوية للفعل الجرمي بل ولكل مبادئ القانون الجنائي والمسطرة الجنائية عامة.
السبب الثالث: أن درجة واحدة من التقاضي لا تفي بالغرض المنشود عالميا والذي يهدف إلى ضرورة توفير المحاكمة العادلة وفق مبادئ احترام حقوق الأفراد وصون حرياتهم.
وسعيا منه لإحاطة المتهم بسياج من الضمانات، فقد دأب المشرع المغربي من خلال القانون الجديد للمسطرة الجنائية، إلى سن درجتين للتقاضي ولو في الجنايات، لأن التقاضي مباشرة ـ كما هو الحال بالنسبة إلى المحكمة العسكرية ـ أمام المجلس الأعلى يحرم المتقاضي من مناقشة مجموعة من المستجدات ووسائل الإثبات التي قد تبرئ ساحتهم، لأن هذا المجلس لا يعتبر درجة من درجات التقاضي، وإنما يختص فقط بصلاحية مراقبة مدى احترام الأحكام للمقتضيات القانونية.
ولما تعلق الأمر بأهم المبادئ المتعارف عليها دوليا في مجال التقاضي، فإنه كان لزاما على القائمين على التشريع أن يبادروا إلى سن مقتضيات ذات طابع إصلاحي خصوصا تلك الرامية إلى تمكين المتقاضين أمام المحكمة العسكرية من الاستفادة من درجتين للتقاضي.
عدم الاقتصار على محامين مسجلين بجدول الهيآت والاستعانة بدفاع عسكري يشكل إخلالا بحقوق الدفاع :
إن أهم ضمانة أرسى قواعدها المشرع المغربي تتمثل بالأساس في تمكين المتهمين المتابعين أمام المحكمة العسكرية من حقهم في الاستعانة بمحام لمؤازرتهم خلال كل أطوار الخصومة الجنائية.
واستنادا إلى مقتضيات الفصل 52 من مدونة العدل العسكري، فقد أقر المشرع بضرورة تمتيع المتابع أمام المحكمة العسكرية بمؤازرة دفاع وإلا فإن مندوب الحكومة يبادر إلى ذلك على الصورة المقررة ضمن منطوق الفصل 56 من نفس المدونة.
وبالتالي، فإن المشرع يكون قد كفل، ظاهريا، حق الدفاع بغض النظر لصفة المتابع أمام هذا الصنف من المحاكم، سواء كان عسكريا أو مدنيا.
غير أنه في واقع الحال، فإن هذا الإجراء معيب، بل وقد يفرغ مهمة الدفاع من محتواها، وبالتالي قد يروم الخصومة الجنائية نحو مسار قد يتمخض عنه نتائج عكسية بالنسبة إلى الشخص المتابع أمام المحكمة العسكرية.
ولعل تجليات إجراءات تعيين دفاع عسكري تتمثل في ما يلي :
عدم كفاءته للقيام بمهمة الدفاع خاصة في ظل إكراهات التسلسل الإداري الذي يحتم عليه التقيد بمجموعة من الضوابط، ولو على حساب حقوق الدفاع؛ أن انتداب هذا النوع من الدفاع هو إجراء ينم عن تكريس للطابع الاستثنائي الذي يكتنف هذه المحكمة، من شأنه المساس بحق الدفاع؛ فعدم إلمام الدفاع المعين بالجانب الحقوقي وبتطور الاجتهاد القضائي يجعله غير قادر على مناقشة الخروقات الشكلية وكذا تجاوزات الضابطة القضائية، فضلا عن عدم قدرته على النفاذ إلى كنه الفعل الجرمي ومناقشة عناصره التأسيسية المادية والمعنوية ومناقشة وقائع وملابسات وأطوار اقتراف الفعل؛ وعدم إلمام الدفاع العسكري بمبادئ مهنة المحاماة وبمقتضيات حقوق الدفاع، يجعله ينشد دائما أمام المحكمة ملتمسا واحدا ووحيدا المتمثل في «ظروف التخفيف». وهو بذلك يكون بمثابة ظرف تشديد بتقليصه لفعالية هذه الضمانة، إذ ينحصر حينها أطراف الخصومة الجنائية بين جهازي النيابة العامة وهيأة الحكم، بمستشاريها الوافدين من مختلف الثكنات والمؤسسات العسكرية  ولا يخضعون للنظام الأساسي للملحقين القضائيين.
ولما تعلق الأمر بأهم الضمانات المتعارف عليها دوليا، فإن هاجس الإصلاح أمسى بالمقابل ضرورة حتمية، حتى يتسنى تقوية ضمانات المحكمة العادلة باعتبارها من أهم الثوابت في منظومة العدالة الجنائية المعاصرة.
والإصلاح يقتضي بالأساس إلغاء كل المقتضيات المتعلقة بتعيين دفاع عسكري ليحل محله دفاع مسجل بأحد جداول هيئات المحامين بالمغرب أو بالخارج بناء على موافقة من الجهات الموكول لها ذلك.
عدم فاعلية مؤسسة النيابة العامة بالمحكمة العسكرية الدائمة وعدم ملاءمة المهام المنوطة بها مع طبيعة الأفعال الجرمية التي تحمل الصفة الجنائية :
لئن كان قضاة النيابة العامة يشكلون هيأة قضائية مهنية بامتياز داخل هرمية التنظيم القضائي المغربي، وهم بهذه الصفة يؤسسون لهيأة تعتبر في الوقت نفسه مرفقا عموميا، وخلية ينضوي تحت لوائها قضاة متمرسون أنيط بهم على الخصوص مهمة تحريك الدعوى العمومية، ومباشرة كل أنواع الطعون، مع السهر أيضا على تنفيذ الأحكام، فإنهم على العكس من ذلك يشكلون استثناء أمام المحكمة العسكرية الدائمة.
ذلك أنه، ولما كان قضاة النيابة العامة أمام باقي المحاكم، يعتبرون مؤسسة فاعلة لما تضطلع به من اختصاصات تتمثل بالأساس في النيابة عن المجتمع والمطالبة بإيقاع القصاص في حق الخارجين عن القانون، وهم من  خلال هذه الصفة مؤهلون للانتصاب، من جهة كطرف أصلي في الدعوى العمومية ومن جهة أخرى، كطرف عمومي يقوم بالسهر على استتباب السلم الاجتماعي، فإننا نجد أيضا في المقابل نظيرا لهذا الجهاز أمام المحكمة العسكرية الدائمة.
ويتمثل جهاز النيابة العامة بالمحكمة العسكرية في مندوب الحكومة ونوابه ( وكيل الملك طبقا للظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.56 بتاريخ 12 يوليوز 1977 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة العسكريين والضباط كتاب الضبط وضباط الصف مستكتبي الضبط ).
ولئن أنيط بوكيل الملك لدى المحكمة المذكورة صلاحية مباشرة مهام النيابة العامة، فإنه بالمقابل لا يحق له تحريك الدعوى العمومية التي تبقى من اختصاص جهاز إداري يتمثل في مديرية العدل العسكري التابعة لإدارة الدفاع الوطني بالرباط، تطبيقا لمقتضيات الفصل 32 من مدونة العدل العسكري الذي ينص :» يكلف وزير الدفاع الوطني بالبحث في جميع المخالفات التي هي من اختصاص المحكمة العسكرية وبتسليم مرتكبيها إلى المحكمة المذكورة ويتلقى لهذا الغرض الشكايات والوشايات».

بقلم: نعيم سبيك: دكتور في الحقوق
باحث في التشريع العسكري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق