حوادث

دراسة: المسؤولية الجنائية في قوانين التعمير (2/2)

مسؤولية رئيس المجلس الجماعي بصفته مشاركا في المخالفات المرتكبة

يطرح مجال السكنى والتعمير عدة مشاكل على أرض الواقع بحكم ارتباطهما المباشر بالحاجيات اليومية و الأساسية للسكان . وبالنظر إلى أهمية هذا المجال الحيوي و دوره في توفير السكينة والراحة للمواطنين، نجد الدولة تتدخل لوضع أسس عمرانية وقانونية ألزمت مراعاة  قواعدها، فعهدت إلى السلطات الإدارية مهمة المراقبة و الإشراف والترخيص وتتبع كل ما له ارتباط بهذا القطاع.

يتعرض رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة إلى الحكم بالحرمان من الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية من 5 إلى 10 سنوات.
إذا ثبت أنه سلم ترخيصا لا يستوفي الشروط أو دون إشارة الجهات المعنية التي ألزم مرسوم 12 أكتوبر 1993 استشارتها  اعتبر مرتكبا لجريمة تزوير إضرارا بالخزينة العامة أو بالغير، ويعاقب  حسب الفصل 367 من القانون الجنائي، باعتباره مرتكبا لجناية التزوير في المحررات العامة أو الرسمية  أو مرتكبا لجنحة التزوير في محرر خاص.
كما يمكن أن تثار مسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة بصفته مشاركا في المخالفات المرتكبة، إذا ثبت تغاضيه عن معاينة المخالفات وإثباتها و عن تقديم الشكايات ضد المخالفين أما النيابة العامة وعدم قيامه بإشعار العامل المختص بهذه المخالفات، مما شجع المخالفين على التمادي في المخالفات و تشييد مدن و مناطق صفيحية و بناءات عشوائية و غير صحيحة و تجزئات غير قانونية، و تبديل مناطق زراعية إلى مناطق آهلة بالسكان الذين يقطنون منازل عبارة عن صناديق إسمنتية.
لذلك نجد الفصل 129 من القانون الجنائي يعتبر من حرض على ارتكاب الفعل المجرم عن طريق إساءة استغلال السلطة أو الولاية، مشاركا في الجريمة.
والتحريض يمكن تصوره في صورة التصرف الايجابي كما يمكن تصوره في صورة التصرف السلبي من خلال التغاضي عن ضبط المخالفات و التشجيع على إيواء المخالفين أو تسليم رخص غير قانونية، وغيرها من التصرفات السلبية.
ومسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة كشريك للمخالفات الذي خالف المقتضيات القانونية بحصوله على ترخيص غير قانوني أو ارتكابه أحد الأفعال المخالفة لقوانين التعمير، تجعله يعاقب بالعقوبة التي قررها  القانون لهذه الجنح.
ولا بد من الإشارة إلى أنه في حالة ضبط المخالفة من طرف إحدى الجهات المختصة، نميز بين ضبطها في إطار قانون التعمير و بين ضبطها في إطار قانون التجزئات العقارية لتحديد بعض أوجه المسؤولية الجنائية :
في حالة ضبط مخالفة لقانون التعمير  يقوم ضابط الشرطة القضائية أو الموظف المختص بتحرير محضر بذلك يوجهه في أقرب وقت إلى رئيس مجلس الجماعة و العامل المعني و المخالف. (المادة 65 من قانون 12-90).
وبالمفهوم المخالف، فإن ضابط الشرطة القضائية أو الموظف المختص،  الذي عاين المخالفة، و لم يقم بتحرير محضر في الموضوع، يكون مسؤولا مسؤولية جنائية كما أوضحنا.
والمسؤولية نفسها تقع على عاتق رئيس مجلس الجماعة الذي  توصل بمحضر المخالفة، و لم يوجه أمره إلى المخالف بوقف الأشغال في الحال، في الحالة التي تكون فيها أشغال البناء مازالت في طور الإنجاز (المادة 65 من قانون 12-90).
وإذا كانت الأفعال التي عاينها ضابط الشرطة القضائية أو الموظف المختص، تتعلق بالمخالفات التي تنص عليها المادة 66 من قانون التعمير (القيام ببناء جديد أو تعلية أو توطئة للأرض من شأنها تغيير حالتها، في الأراضي التي يشملها الطريق المحدث بمقتضى قرار رئيس مجلس الجماعة أو القيام ببناء دون ترخيص، أو استعمال مبنى دون الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة، أو خرق ضوابط البناء العامة أو الجماعية أو خرق ضوابط التعمير)، يجب على رئيس مجلس الجماعة تقديم شكاية لدى وكيل الملك المختص لتحريك الدعوى العمومية.
وفي حالة عدم قيامه بتقديم الشكاية في هذه الحالات، يكون مسؤولا مسؤولية جنائية سواء في إطار جنحة استغلال النفوذ إذا ثبت أنه حصل على منفعة مالية أو أية فائدة من أجل التغاضي عن تحريك المتابعة   وتقديم الشكاية لمصلحة المخالف، أو في إطار المشاركة في الجريمة عن طريق تواطئه مع المخالفين الذين يعلمون أن رئيس مجلس الجماعة سوف لن يقدم أي شكاية ضدهم، مما يشجعهم على ارتكاب تلك المخالفات.
وهنا لابد من التمييز أيضا بين الحالة التي يمكن تدارك المخالفة فيها، باعتبارها لا تمثل إخلالا بضوابط البناء و التعمير، و بين الحالة التي تمثل المخالفة إخلالا خطيرا بذلك، و التي لا يمكن تداركها.
ففي الحالة الأولى يمكن لرئيس مجلس الجماعة أمر المخالف باتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء المخالفة  وتسوية الوضعية في أجل لا يقل عن 15 يوما و لا يتجاوز 30 يوما (المادة 67).
فإذا أصلح المخالف ما خالفه من ضوابط و أصبح البناء مطابقا  للمواصفات القانونية، واتخذ التدابير اللازمة لذلك داخل الأجل المضروب له، أعطى المشرع لرئيس مجلس الجماعة سلطة التخلي عن الشكاية التي سبق أن تقدم بها أمام النيابة العامة.
و في الحالة الثانية  لا يحق لرئيس مجلس الجماعة التخلي عن المتابعة التجارية في شأن الشكاية المقدمة أمام النيابة العامة، بل يتعين عليه تقديم طلب للعامل، الذي منحه المشرع الحق في الأمر بهدم جميع أو بعض البناء المخالف للضوابط المقررة، تلقائيا أو بناء على طلب من رئيس مجلس الجماعة (المادة 68 من قانون التعمير).
وهناك أيضا يمكن تصور مسؤوليته  الجنائية في الحالة التي يتولى فيها التخلي عن المتابعة وسحب الشكاية إذا كانت المخالفة المرتكبة تمثل إخلالا خطيرا بضوابط البناء و التعمير.
في حالة ضبط مخالفة لقانون التجزئات العقارية و المجموعات السكنية وتقسيم العقارات، نصت المادة 66 من قانون 25-90 على أن ضابط الشرطة القضائية و الموظفين المختصين الذين عاينوا إحدى المخالفات المحددة في المادتين 63 و 64، يقومون بتحرير محضر بذلك يوجه في أقرب أجل إلى وكيل الملك المختص و إلى العامل و إلى رئيس مجلس الجماعة و إلى مرتكب المخالفة.
وفي حالة تقاعس ضابط الشرطة القضائية أو الموظف المختص الذي عاين المخالفة و لم يقم بما يلزمه القانون يمكن مساءلته تأديبيا و جنائيا.
والمسؤولية هنا تقع بالدرجة الأولى على عاتق ضابط الشرطة القضائية والموظف المختص.
وهذه المخالفات عكس تلك المنصوص عليها في قانون التعمير، لا تتطلب تقديم شكاية من رئيس مجلس الجماعة، بل تحال المحاضر المثبتة  للمخالفات على النيابة العامة التي تتولى تحريك الدعوى العمومية .
وفي الختام لابد من الإدلاء ببعض الاقتراحات التي يمكن أن  تساهم في حل بعض الإشكاليات العملية، والتي يمكن أخذها بعين الاعتبار إلى حين خروج النصوص الجديدة إلى حيز الوجود.
توسيع دائرة التجريم، حتى تشمل بعض المخالفات التي لم يتعرض لها قانون 12-90 و قانون 25-90.
تصحيح آليات ضبط المخالفات، أي المسطرة التي يتعين سلوكها لإثبات المخالفات.
إضافة العقوبات الحبسية بخصوص الجرائم التي تشكل إخلالا خطيرا بضوابط البناء و التعمير.
تحديد الجرائم التي تشكل إخلالا خطيرا بضوابط البناء و التعمير.
تحديد كل الجرائم المتعلقة بالتعمير والتجزئات بكل وضوح وتدقيق.
حذف الاحالات الكثيرة التي يتضمنها كل من قانون 12-90 وقانون 25-90.
استعمال عبارة «جريمة» عوض «مخالفة» حتى لا يفهم أن الأمر يتعلق بمخالفة بسيطة.
إحالة أصل المحضر الذي أثبت المخالفة ونسخة منه على وكيل الملك، ونسخ منه توجه إلى كل من رئيس المجلس الجماعي والعامل والمخالف، ليتولى كل واحد القيام بما يلزمه به القانون.
إعطاء سلطة تحريك الدعوى العمومية للنيابة العامة دون اشتراط تقديم الشكاية.
التنصيص  على مسؤولية رئيس المجلس الجماعي في حالة ثبوت أي تقاعس أو تواطؤ من جانبه، خاصة إذا ثبت أن دائرة نفوذ الجماعة ظهرت فيها عدة بنايات غير مرخصة أو مخالفة لضوابط التعمير، دون أن يتولى إنجاز محاضر لإثبات هذه المخالفات.
التنصيص على أن المجلس الجماعي هو المكلف بتنفيذ الحكم النهائي القاضي بالهدم على نفقة مرتكب المخالفة.

* أستاذ باحث

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق