fbpx
مجتمع

التوقيعات الإلكترونية… “بعبع” المزورين

مصلحة الإشهاد على الإمضاءات بسيدي بليوط دشنت التجربة واختصرت قنوات المطابقة في الأرشيف

رمى الخطاب الملكي لمناسبة افتتاح السنة التشريعية الحالية، حجرا في بركة الإدارة الراكدة، إذ عرت مضامينه عورة الإدارات العمومية وتردي الخدمات بها، وبطء المساطر والإجراءات، الأمر الذي حفز إطلاق مجموعة من الأوراش، بشأن تحديث بنية هذه الإدارات، وتحسين ظروف الارتفاق، وكذا سد مجموعة من الثغرات في تدبير الخدمات، شكلت منفذا ملائما للفساد والرشوة، وأرضية خصبة لنمو أنشطة التزوير والتحايل على القانون، قبل أن تبادر مقاطعة سيدي بليوط وسط البيضاء، تحديدا مصلحة الإشهاد على الإمضاءات المركزية، إلى إطلاق أول خدمة للتوقيعات الإلكترونية، ما شكل تجربة نموذجية في سياق الانتقال إلى رقمنة المعاملات الإدارية، التي تحمل الصيغة اليدوية المعتمدة في تدبيرها المرتفقين، تكاليف باهظة تشمل الزمن والمال.

شارع أنفا الكبير، حيث تزاحم السيارات الراجلين في الأرصفة، لم يعد التجول فيه آمنا، بعد أن حولته الأوراش المفتوحة هنا وهناك، إلى حقل ألغام، لا يحسن السير عبر مسالكه إلا الراسخون في العلم من البيضاويين، ممن ألفوا القفز فوق “ظهور الحمير” وتجاوز المطبات. يعود الفضل بنسبة مهمة في رواج هذا الشارع، إلى مرفق عمومي، لا يقل أهمية عن المتاجر الفخمة والمطاعم الراقية التي تؤثثه، يتعلق الأمر بمقاطعة سيدي بليوط، تحديدا مصلحة الإشهاد على الإمضاءات المركزية، التي تستقبل ما متوسطه ألفا و500 مرتفق يوميا، وتعالج حتى أربعة آلاف وثيقة. آلة عمل ضارية لا تتوقف، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمصلحة، وسط فضاء تركز المقرات الاجتماعية لأغلب الشركات والبنوك في البيضاء.

ويتحدث سعيد التوري، رئيس  مصلحة الإشهاد على الإمضاءات المركزية، عن تركز أغلب معاملات تصحيح الإمضاءات في مقاطعة سيدي بليوط، مقارنة بالمقاطعات الأخرى في الدار البيضاء، نظرا إلى موقعها الإستراتيجي وجودة الخدمات المقدمة من قبلها، خصوصا ما يتعلق بالسرعة في إنجاز المعاملات، التي تمثل عامل جذب يغري المقاولات والمستثمرين الأجانب تحديدا، موضحا أن تسعة شبابيك لخدمة المرتفقين، تدبر آلاف الوثائق يوميا، فيما تستقبل المصلحة، التي لا يتجاوز طاقمها البشري 21 موظفا، عددا ضخما من المرتفقين يوميا، خلال ساعات الدوام الرسمي، الذي يبدأ من الساعة الثامنة والنصف صباحا وينتهي بحلول الساعة الرابعة والنصف زوالا.

رقمنة الإمضاءات

شرعت مصلحة الإشهاد على الإمضاءات منذ منتصف مارس الجاري، في اعتماد التوقيعات الإلكترونية، إلى جانب التوقيعات اليدوية في السجلات المرجعية، عند الإشهاد على الإمضاءات الواردة في الوثائق، التي تتخذ شكل عقود رسمية وعرفية وإشهادات وغيرها من المستندات، التي تستقبلها شبابيك المصلحة يوميا، والغاية من هذه التقنية الجديدة، التي تعتبر الأولى من نوعها، المعتمدة في مصالح “تصحيح الإمضاءات”، مع التحفظ على التسمية، باعتبار أن التصحيح مجال عمل خبراء الخطوط وغيرهم، حسب رئيس المصلحة، الذي أكد أن رقمنة التوقيعات بالاعتماد على التوقيعات الإلكترونية، إجراء مبتكر يغطي ثغرة معالجة الوثائق، ويقطع الطريق على المزورين والمتحايلين على القانون.

وعاينت “الصباح” إقبال المرتفقين في مصلحة الإشهاد على الإمضاءات على شباك خاص، من أجل التوقيع بواسطة قلم خاص على لوحة رقمية، بعد استكمال معاملته الإدارية، وبعد التوقيع في السجل الورقي، الذي يعتبر وثيقة مرجعية بقوة القانون، إذ أوضح المسؤول في هذا الشأن، أن المصلحة تستقبل بشكل مستمر المصالح الأمنية المختلفة، من أمن وطني ودرك وغيرهما من الأجهزة، إلى جانب أعوان القضاء، لغاية التأكد من توقيعات واستخلاص نسخ عن بعض الوثائق، المطلوبة في التحريات والقضايا الرائجة أمام المحاكم، ذلك أن هذه التقنية، تضمن التحقق بشكل سريع من مطابقة توقيعات الأشخاص، والاستدلال على صحة الوثائق، إلى جانب مزايا تدبير تكليف الجهد والزمن، من خلال عمليات تفحص الأرشيف الورقي الضخم، لفائدة الجهات المذكورة.

ويتم تسجيل توقيع المرتفق، رفقة رقم بطاقته الوطنية وبياناته الأساسية، في نظام معلوماتي خاص، إذ يتحدث  رئيس مصلحة الإشهاد على الإمضاءات المركزية، عن رقمنة 34 ألف توقيع مودعة لدى المصلحة، من قبل شركات وبنوك ومستثمرين، موضحا أن تحويل التوقيعات المودعة إلى الصيغة الرقمية، عبر نسخها إلكترونيا “سكانير”، ما يسرع وتيرة معالجة المعاملات الإدارية للمودعين، ذلك أن بعض المعاملات تتضمن عددا كبيرا من الوثائق، يتعين الإشهاد على إمضاءاتها بسرعة كبيرة.

تجديد المرفق

خضعت مصلحة الإشهاد على الإمضاءات المركزية في مقاطعة سيدي بليوط، لعملية إعادة تهيئة وتجديد للمرفق، استمرت على مدى خمسة أشهر متواصلة، انتهت بإعادة توزيع الشبابيك على طريقة الفضاء المفتوح “أوبن سبايس”، وهو تصميم هندسي أمريكي للإدارات والمكاتب، حيث يجعلها مقابلة لبعضها البعض، إلى جانب تثبيت أربع كاميرات مراقبة، وشاشة عرض ضخمة، تعمل على نشر القوانين والنظم التي تؤطر المعاملات الإدارية في المصلحة، الأمر الذي راق أحمد زياط، مرتفق، موضحا أن التصميم الجديد للشبابيك، يتيح المرور بسرعة من موظف إلى آخر، لغاية إتمام المعاملة، ويسهل عملية التواصل معهم.

ويندرج اعتماد التوقيعات الإلكترونية، حسب القيمين على التجربة، في سياق الانفتاح على تجربة الحكومة الإلكترونية، التي انطلقت من خلال مخطط “المغرب الرقمي” منذ 2009، الذي نال حظه من انتقادات قضاة المجلس الأعلى للحسابات في تقرير خاص حوله، عرض أيضا، مجموعة من الحلول، من بينها “الشباك الإلكتروني لطلب الوثائق الإدارية”، إذ ألح المواطنون على طلب هذه الخدمة عبر، موقع فكرة “فكرة. إي غوف. ما”، الذي تم إعداده خلال 2011، والموجه لتلقي مقترحات المغاربة، تحسينا لخدمات الإدارة.

وبهذا الخصوص، عرض موقع “وثيقة. ما”، تدريجيا، مجموعة خدمات تهم إمكانية استخلاص عقود الازدياد، وطلب الحالة المدنية، قبل التحول إلى إمكانية طلب السجل العدلي ووثائق أخرى. وبخصوص الأداء، فالمواطن يطلب وثيقة واحدة أو عدة وثائق للحالة المدنية من خلال الشباك الإلكتروني، ويؤدي تكاليفها إلكترونيا، وذلك ابتداء من 20 درهما، مع احتساب الرسوم. ويمكن أن يؤدي بواسطة البطاقة البنكية الوطنية أو الدولية، وفي مرحلة لاحقة، بواسطة خدمة الرسائل القصيرة لكن مع زيادة في الرسم، كما كان مبرمجا حين تم إطلاق الخدمة قبل حوالي أربع سنوات، إلا أن وسائل الدفع لم يتم تفعيلها أو تنويعها بهذه الصورة بعد.

كلفة المعاملات

يشتكي عدد مهم من المرتفقين ارتفاع كلفة استخلاص وثيقة إدارية من الشباك الإلكتروني، ذلك أنه في الوقت الذي لا يتطلب الحصول على عقد الازدياد بالطريقة التقليدية أكثر من درهمين، يفرض طلب هذه الوثيقة إلكترونيا أداء 20 درهما، إذ يتبين أن واجب التنبر المحدد في درهمين لم يتغير، بينما باقي المبلغ المذكور يذهب لتغطية واجبات البريد المضمون والأداء الإلكتروني.

بورصة التنبر 

تشكل رسوم التنبر موردا مهما للخزينة، خصوصا عن المعاملات الإدارية المنجزة يوميا في الإدارات العمومية المختلفة، إذ تختلف قيمة التنبر حسب نوعية الوثيقة، لتتراوح بين درهمين و20 درهما وما فوق، إلا أن المرتفق غالبا ما يصطدم بـ”ببورصة التنبر”، حين يطالبه الموظف بأداء قيمة تنبر في حدود 20 درهما، نظير وثيقة تتطلب تنبر بقيمة درهمين فقط. وتتكرر هذه الممارسات في المصادقة على عقود العمل والعقود الائتمانية، إذ يطالب المرتفق بتوفير تنبر بقيمة 100 درهم للمصادقة على خمس صفحات.

بدر الدين عتيقي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق