fbpx
افتتاحية

تقارير وتقارير!

د. خالد الحري
د. خالد الحري

بدأ المغرب الرسمي يتعاطى بتشنج أقل مع تقارير الخارجية الأمريكية وبعض المنظمات الدولية «المختصة»، التي لا يغمض لها جفن دون تكليف فرقها بتدبيج مئات الصفحات تطلق عليها «تقارير سوداء» حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب.

هذا التطور مهم ويعكس درجة النضج في التعامل الإيجابي مع بعض الملاحظات والتوصيات والنقاط الواردة في هذه التقارير والرد عليها في سياقها بالأدلة والمعطيات الدامغة، وإن تعلق الأمر، أحيانا، بقضايا هامشية، أو ملفات متقادمة حسم فيها القضاء، أو مازالت معروضة عليه، أو أحداث ووقائع تعزى، في المقام الأول، لأشخاص، أو اجتهادات فردية لمسؤولين، وليس لمؤسسات أو هيآت رسمية، أو قطاعات حكومية بعينها.

فما معنى مثلا أن تكلف وزارة خارجية لأكبر دولة في العالم نفسها لتسليط الضوء على تعنيف مواطن من قبل رجل أمن أو رجل سلطة في سياق وزمان ومكان ما، أو تحرير عشرات الصفحات على التضييق على صحافي مغمور رأسماله مقال و«فيديو»، أو إثارة قضايا خلافية مازالت موضوع جدل وتفاعل في المجتمع، مثل عقوبة الإعدام، أو إطلاق الاستيهامات على عواهنها حول وجود قضايا اختفاء قسري وتعذيب مفرط في السجون ومقرات الحراسة النظرية لدى الأمن والدرك الملكي.

في السابق، يمكن أن نتفهم «قلق» الخارجية الأمريكية ومنظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» و«مراسلون بلا حدود» وغيرها من المنظمات الدولية الأخرى حول وضعية حقوق الإنسان، بسبب صعوبات السنوات الماضية، ومراحل الانتقال العسيرة وعقبات الطريق نحو مغرب خال من الانتهاكات الجسيمة، لكن منطق الأشياء يفرض، اليوم، الحذر من إطلاق بالونات الدعاية المعادية لخدمة أجندات خفية وظاهرة، وتبخيس المجهودات الاستثنائية المنطلقة منذ عقدين بجرة تقرير.

فمؤكد أن كل هذه المجهودات لم تبلغ مداها، ولم يحقق المغرب، كغيره من دول المعمور، النموذج المثالي في مجالات حقوق الإنسان بجميع فروعها وتشعباتها وملحقاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، ومؤكد أيضا استمرار عدد من القضايا التي تتطلب تكثيف الإرادات السياسية لإيجاد حلول لها، خصوصا في مجال الحريات العامة وفضاءات التعبير والاحتجاج والحق في قضاء مستقل ونزيه، والحق في الولوج إلى المعلومة، وأخرى متعلقة بتجاوزات أمنيين وبعض المشاكل المطروحة في السجون.

هذه القضايا وغيرها لا يحتاج المغرب إلى تقارير من جهات خارجية لتذكيره بها، بل هي موضوع دراسة ونشاط دستوري وقانوني وإجرائي حيوي ودائم من أجل معالجة الأساسي منها، والتعامل معها باعتبارها محركات أساسية للتنمية الحقوقية، بإشراك فعاليات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية، بدءا بهيأة الإنصاف والمصالحة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والوزارة المنتدبة المكلفة بحقوق الإنسان والوسيط.

كل ذلك يمكن تفهمه ومعالجته، لكن ما يحز في النفس أن تأتي «مذمتنا» دائما من جهات تجد صعوبات كثيرة في تجاوز نقائصها وعيوبها في مجال موضوعات حقوق الإنسان بالتحديد.

فما معنى أن تنبش الخارجية الأمريكية مثلا في ملفات الآخرين وتعرضها على الملأ، دون أن تنبس بكلمة واحدة عن عشرات المواطنين الأمريكيين الذين يقتلون بدم بارد بواسطة مسدسات نظامية، أو مشاهد العنف الدموي أمام كاميرات العالم ضد الأمريكيين ببشرة سوداء، أو التضييق على الحق في التنقل ومحاكمة البشر وفق أعراقهم وانتماءاتهم، أو الوضعية الحالية للقابعين في المعتقلات السرية بجزيرة «غوانتانامو»، وغيرها من سجون العم سام.

فقديما قال المتنبي: «إذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ، فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ»

انتهى الكلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى