fbpx
مجتمع

متسولون محتالون

 

 

 

 

 

 

 

يدعون أنهم حفظة قرآن أو أعضاء فريق وبعضهم يرهبون المارة

شوارع الرباط وأحياؤها حبلى بمئات المتسولين، يجوبون أرقى الشوارع وأكثرها اكتظاظا ولا يستثنون أكثرها شعبية. بعضهم لا يتوقف عن الحركة يتصيد “ضحاياه”، فيما آخرون اتخذوا من بعض الأماكن موقعا إستراتيجيا، وجعلوها حكرا عليهم، سواء أمام الصراف الآلي أو وكالات البنوك، وبجانب مداخل المحلات التجارية، فضلا عن محطات الطرامواي، التي يتحلق حول كشك الأداء بها عشرات المتسولين.

إنجاز: هجر مغلي

وجوه شاحبة، ملابس رثة، هيأة جسمانية نحيلة، أصحابها غالبا ما يجلسون القرفصاء في ركن من شارع رئيسي، أو أمام مدخل مسجد، منهم من تحمل رضيعا بين يديها لا يتوقف عن البكاء فيما يلعب طفل لفحت الشمس محياه غير بعيد عنها، وبعضهم يستعرض وصفة طبية، مطأطئ الرأس، وضع عليها بضع علب دواء.
جميعهم يردد العبارة الشيفرة “صدقة لله في سبيل الله”، يليها وابل من عبارات الاستجداء، التي تهدم كل قلاع الدفاع وتجعل المارة يجودون ببضعة دراهم، لتنهال بعدها سلسلة جديدة من الدعوات بالخير والنجاح والسعادة التي تفيد انتهاء العملية بنجاح وأحيانا كثيرة يكون مصير المتجاهلين ل”نداء الاستغاثة” نيل ما تيسر من الشتائم واللعنات.
هذا المشهد يكاد يندثر، اللهم عند بعض محترفي التسول من “الجيل القديم” الذين لا يتقنون غير هذه الطريقة، فيما اتخذ آخرون من التسول حرفة، يتفنون في كل يوم بابتكار طرق جديدة، بقواعد جديدة، جعلت من التسول، غير مقتصر على فئة المعوزين من النساء والشيوخ، بل انضم إليهم الشباب والمراهقون من الجنسين، غزوا شوارع العاصمة، ولم يدخروا جهدا في ابتكار أي وسيلة ستمكنهم من بلوغ غاياتهم التي ليست إلا الحصول على مبلغ مالي في نهاية اليوم قد يفوق الخمس مائة درهم.

” حفظة القرآن “

بشارع محمد الخامس، القلب النابض للرباط، أو حتى شارع فرنسا بحي أكدال، مركز العاصمة التجاري الذي يضم أكبر المحلات التجارية والمقاهي، لم يعد من اللافت، مرور مجموعة، مكونة أحيانا من اثنين أو ثلاثة من الشباب، في مقتبل العمر، يرتدي كل منهم جلبابا، ويحمل في يده لوحا خشبيا، خطت عليه بضع كلمات يصعب تحديدها، يجوبون الشوارع، وقد يدخلون المقاهي، متى سمح لهم بذلك، طلبا لأموال يدعون أنها تساعدهم على حفظ القرآن.
“حنا طلبة جايين من سوس، كملنا السلكة، شي بركة في سبيل الله”، يقول شاب لم يبلغ بعد العشرين من عمره مخاطبا امرأة خمسينية، بتقاطع شارعي الحسن الثاني ومحمد الخامس، يشرح لها، بكثير من الوقار المصطنع، دون أن يرفع رأسه هو وزميله  الذي ظل شاخصا في لوحه الخشبي كيف أن رفاقا له ينتظرون كل مساهمة مالية من المحسنين تحسب لهم في الآخرة، حتى يتمكنوا من حفظ القرآن،  تعتذر المرأة فيواصل رحلة البحث عن شخص آخر دون تعليق، قبل أن ينخرط هو ورفيقه في ترديد آيات قرآنية، دون أن يتوقف عن تفحص كل المارة، عله يجد من يجود عليه ببضعة دريهمات.
“أفضل شخصيا أن أتصدق بما تيسر لمن يحفظ القرآن على أن أعطي مالا لامرأة تستغل طفلا، النهار كلو وهي جاراه معاها فالشتا والشمس”، تقول شابة مخاطبة صديقتها التي حاولت جاهدة ثنيها عن “مساعدة الشابين”مؤكدة أن الأمر لا يعدو مجرد حيلة جديدة تدخل في خانة تنويع وسائل التسول، لكن دون جدوى. تقترب الشابة من صاحبي الجلباب تمنحهما بضع قطع نقدية وتردفها بعبارات التوفيق، يشكرانها ويواصلان المسير، فيما تضيف هي لرفيقتها إنما الأعمال بالنيات، “أنا نيتي صافية، هذا هو المهم”.

“عاونوا الفريق”

شارع مولاي عبد الله بالرباط، يعد واحدا من المراكز الرئيسية التي يتخذها صنف جديد من المتسولين، مكانا للحصول على أموال”المتصدقين”. شباب ومراهقون في الغالب، بقصات شعر غريبة وملابس وأحذية رياضية، اتخذوا من أحد الفرق الكروية وسيلة يجنون من خلالها مصروفهم اليومي.
فأمام إحدى الصيدليات الكائنة بالشارع، غالبا ما تتحلق مجموعة من المراهقين، أمام صندوق من الورق المقوى، مغطى بسترة رياضية لفريق الجيش الملكي، وضعت عليها بضعة دريهمات، يتسلحون بعبارة “أخي عاون الفريق”، يحاصرون المارة سيما من الفتيات والنساء، يستجدونهن الحصول على بضعة دريهمات، “ختي راه الفرقة لاعبة هاد السبت وبغينا نمشيو للصطاد، عاوني خوتك، مربوحة إن شاء الله”، يقول أحدهم، دون أن يتوقف رفاقه عن ترديد عبارات مماثلة، تنتهي بغالبية ضحاياهم، سيما من النساء والفتيات بتلبية طلباتهم، مجبرات.
غير بعيد عنهم، يوجد “فريق” آخر من الصبية لجؤوا إلى الحيلة ذاتها، لكن سبب “عاونو الفريق” هذه المرة، هو دعم الشباب من أجل تأسيس فريق محلي لكرة القدم، وأنهم بحاجة إلى كل سنتيم، يدخرونه لتأمين حاجيات الفريق من سترات وأحذية رياضية، يجربون كل الطرق، حتى إنهم لا يتوانون في        التحرش ومضايقة “ضحاياهم”، يلاحقونهن إلى أن يحصلوا على غايتهم. “وليت دايما دايرا معايا الصرف في جيبي، لأنني عارفا هاد الشارع عامر بالسعاية ومكايتفاكوش حتى تعطيهم درهم ولا جوج”، تؤكد نجاة طالبة تعمل مساعدة طبية في إحدى العيادات الكائنة بشارع مولاي عبد الله، مضيفة بسخرية “اللهم تعطيهم بخاطرك ولا ياخدوليك البزطام كلو”.

ترهيب وتهديد

إذا كان أصحاب العبارة الشهيرة “عاونو الفريق” يلجؤون إلى حيلة الكرة وتشجيع الفريق الرياضي، فسكان الرباط، صاروا في مواجهة يومية مع فئة جديدة من المتسولين. “لا أدري ما إن كان بالإمكان وصفهم أصلا بالمتسولين، لأنهم يعلنون صراحة أنهم مستعدون للجوء إلى العنف إن تم رفض طلبهم”، يقول يونس موظف بإحدى الإدارات العمومية.
ويضيف يونس موضحا أن ثلاثة شباب غلاظ، مظهرهم الخارجي لا يوحي أن بهم ما يمنعهم من البحث عن عمل أو الاشتغال أو أنهم يعانون أصلا الفقر أو العوز، هندامهم مرتب، يتفاجأ بهم كل صباح يتناوبون على المقاهي، يطالبون مرتاديها بنبرة متعالية، بأداء فطور كامل، أو دفع مقابله المادي، “بلا حيا بلا حشمة، ويزيدوها بالتخنزير من الفوق”.
وتتوعد المجموعة كل من سولت له نفسه الرفض بـ”عقاب عسير”، حتى أنهم يدخلون في ملاسنات، ويستظهرون لائحة طويلة عريضة من الأعذار “واش أنا كرهت الخدمة، عطيهالي نتا، وعلاش نتا كالس تفطر وأنا لا أنا ماعلياش الله”.

جبروت ضد النساء

فئة أخرى من هذا الصنف، تتصيد زبناءها من الفتيات والنساء أساسا، ولا تجد حرجا في طلب “2 دراهم ولا نكريسيك وناخذ أكثر”، فيكون لهم ما أرادوا، في رمشة عين. المشكل، تضيف زينب، موظفة، أنه “بدل أن يشكرك أو على الأقل يصمت، يتمادى في جبروته، شفتي أما حسن نجيك واضح نيشان وتعطيني الفلوس بخاطرك، ولا نضربها ليك بخلعة وناخذ كثر ملي كنت ناوية تعطيني”، تصمت قليلا قبل أن تواصل حديثها في نبرة أقرب إلى الاستسلام “عندو الحق في النهاية، ما دام أنه صار مألوفا، ويكريسي عباد الله بلا حسيب ولا رقيب، يشفرنا بخاطرنا ماشي مشكل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى