خاص

بانوراما الصيف: ساحات التحرير (الحلقة السابعة)

بنغازي… ثورة عروس المتوسط

لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا  واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة  وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين

نالت شرف احتضان  الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب.

كتب ديفيد كلاي، المسؤول السياسي البريطاني، في مدونته الخاصة، مشاهداته أثناء زيارته الأخيرة لمدينة بنغازي، مشيرا إلى أن المدينة استعادت بريقها بعد ثورتها على النظام معمر القذافي، ولخص تفاصيل مثيرة في مدينة أشعلت انتفاضة لم يخمد لهيبها إلى حد الآن. فما أسباب خروج بنغازي عن طوع القذافي؟ وما حكاية المدينة وتاريخها الطويل عبر الزمن؟
لاحظ كلاي أنه تمكن من ملاحظة التغيير منذ الوهلة الأولى لدخوله بنغازي، وقال “الأحوال الطبيعية الظاهرية للمدينة جعلتني أشعر بالحيرة، بالطبع اختفت كافة الملصقات الإعلانية التي تحمل الشعارات القديمة، ولم تعد الصور البطولية للعقيد أو مقتطفات من كتابه الأخضر أو ملصقات إعلانية بمناسبة الذكرى الحادية والأربعين للثورة تستقبل الزائرين لبنغازي، بل حل محلها العلم بالألوان الأخضر والأحمر والأسود الذي كان علم ليبيا قبيل عهد القذافي، وملصقات إعلانية جديدة تحتفل بثورة فبراير الشعبية وصور عمر المختار، بطل كفاح ليبيا ضد الاستعمار».
اكتشف كلاي، في بداية زيارته، أنه باستثناء صور القذافي ومقتطفات من كتابه الأخضر، فإن التغيير لم يكن شاملا، فثورة فبراير لم تغير حقا وجه بنغازي، ونادرا ما تجد مباني محترقة أو مرشوشة بعلامات طلقات الرصاص، والمتاجر مفتوحة، والشوارع مزدحمة بالسيارات، وطريقة قيادة السيارات مازالت فوضوية كما كانت دائما.. إنها المدينة التي نزعت عن نفسها ثورة الفاتح وقادت انتفاضة جديدة. فما حكايتها عبر التاريخ؟
تكشف الآثار أن تاريخ بنغازي قديم، إذ يرجع إلى أكثر من 2500  سنة قبل الميلاد بعد تأسيسها على أيدي الإغريق الذين قدموا إليها من مدينة قورينا.
وتعددت أسماء بنغازي تبعا للمقيمين القادمين إليها، فكان أول الأسماء التي أطلقت عليها اسم «يوسبر يدس»، ويعني مدينة أقصى الغرب، باعتبارها آخر ما بلغه الاستيطان الإغريقي غربا، وقيل إنها كانت من أوائل المدن اليونانية القديمة وهو «يوسبريدس» في العصر الإغريقي، أما في العصر البطلمي، أي حوالي عام 247 قبل الميلاد،  فأطلق عليها اسم زوجة الإمبراطور يطليموس الثالث، واستعمل هذا الاسم طول العصر الروماني والعصر البيرنطي. أما في العصر الإسلامي عندما جاء الفتح الإسلامي إلى الجماهيرية فقد غير المسلمون اسم المدينة أيضا وديانتها، فتغيرت من برنيكي إلى برنيق ثم تلاحقت الأحداث التاريخية وشاء لها القدر أن تغيب عن مسرح الأحداث فلم يعلم عنها الكثير.
لم تستسلم بنغازي للنسيان، إذ حتى عادت للظهور مجددا وبقوة، فهي مدينة الأحداث، فتغير الاسم إلى «مرسى ابن غازي»، وترجع هذه التسمية إلى مجموعة التجار الذين استقروا بها، كما أطلق عليها أيضا اسم «كاوة الملح» وذلك نسبة إلى ملح كان يظهر على سطحها، ثم تطورت الأحداث بعد ذلك، فاستقر اسمها على بنغازي، ويرجع سبب ذلك إلى ولي يعرف باسم سيدي غازي، فدفن هذا الوالي في ضريح أول ما يشاهده القادم للمدينة من البحر.
وبعد تطور المدينة خلال العصر العثماني، أصبحت عاصمة إدارية لإقليم برقة، فكانت المقر الرئيسي للحاكم العثماني، مما شجع كثيرا من الناس للهجرة إليها والإقامة بها. أما في العصر الحديث فبقي اسمها كما كان في العصر العثماني، ولم يتغير.
وتتميز بنغازي بالهواء النقي والأرض الخصبة، في حين تمتاز بإطلالتها الجميلة على البحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها موقعا سياحيا.
واشتهرت المدينة عبر تاريخها الطويل بمناظرها الطبيعية التي تثير فضول كل سائح وتدعوه للاستمتاع بصفاء جوها المعتدل الذي تتمتع به حت أطلق عليها لقب عروس البحر الأبيض المتوسط .

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق