الصباح الثـــــــقافـي

20 ألفا أطفؤوا الشمعة الأولى لمهرجان جوهرة بالجديدة

حفل الميلاد بدأ حزينا وانتهى بكوكتيل من الشهب الاصطناعية

توقفت حركة السير والجولان بقلب الجديدة، عشية أول أمس (الأربعاء)، وضاقت المدينة بما رحبت، فحوالي 20 ألف متفرج شدوا الرحال إلى حيث ساحة البريجة بقلب الميناء، لتدوين أسمائهم في السجل الذهبي لأول نسخة من المهرجان الدولي جوهرة. وكان من بينهم ابن المدينة الجنرال دوديفيزيون عبد الحق القادري وعامل سيدي بنور، جلال الدين لمريمي، وسفير فرنسا بالمغرب، وعمدة الدار البيضاء محمد ساجد، فحتى أبراج الحي البرتغالي بمدافعها، طلقت طابعها العسكري وتكلمت لغة الموسيقى، حتى حق في هذه الليلة الفنية المتميزة أن نردد مع عبد الهادي بلخياط في خالدته أنه على شاطئ الجديدة ارتمى اللحن والمزهر.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا لما أعلن معاذ الجامعي ميلاد جوهرة، ومن المفروض عادة أن يكون الميلاد مرادفا للغبطة والسرور، لكن هذه المرة كان بطعم الحزن والبكاء فقد ذرفت العيون الحاضرة دموعا كثيرة، لأن الأمر كان يتعلق بليلة الاعتراف بهرمين كبيرين في عالم المسرح والسينما أنجبتهما دكالة، واحدة تخطفتها يد المنون وآخر يصارع مرض السكري اللعين.
كانت روح عائشة مناف تحلق فوق منصة البريجة، غير بعيد عن الملاح الذي أطلقت فيه صرختها الأولى، ومنه خرجت نعشا مسجيا إلى مقبرة سيدي موسى وهي لم تتعد 33 ربيعا، وكان الحاضرون شاهدوا لقطات لها على شاشة عملاقة وهي تؤدي دورها بإتقان في مسلسل “حديدان”.
وكان الحزن بلغ مداه لما ظهر الفنان محمد بن ابراهيم أمام الحاضرين وكما قال مطران، مثل غلالة رثت من الأدواء، كانت زوجته تقوده ممسكة يده، هو الذي كان يزأر فوق الركح كالأسد، أصبح ضريرا بفعل فقدانه لنعمة البصر، وفي كلمته قال الله يرحم عائشة مناف ويلحقنا بها مسلمين، وكأنه يودع المدينة التي انطلق منها نجما في التمثيل يحمل بصمة الراحل محمد سعيد عفيفي.
وفي لحظة كانت الدموع تنهمر من أعين جمهور كان نموذجا في الانضباط، انطلق حفل دوناس الساهر، في إطار دويتو أداه بإتقان المغربي البلجيكي سيدي العربي والإسبانية ماريا، خلاله صفق الحاضرون بحرارة للدبلوماسية الموسيقية وما يمكن أن تقدمه لفائدة قضية الصحراء المغربية.
لقد تفاعل الجمهور الحاضر مع دوناس لأنه مشروع غنائي ولد في الصحراء، حيث الطبيعة توفر حرية كبيرة للانطلاق بدون قيود، مثلما تتحرك الكثبان الرملية باستمرار حسب رغبة الرياح.
وقد راعى منظمو السهرة من خلال المزج بين رشاقة ماريا وخفة سيدي العربي، وتأثيث الفضاء بأشرعة متمايلة على إيقاعات الفلامنكو والأندلسي والمواويل وتقنية انعكاس الطيف الصينية، إشعار الحاضرين بأنه بالرقص أحيانا ننتشي بالحركة الزائلة ونذوب ونتحقق في الآخر، فالسهرة بكل اختصار تحيلنا حتما على الثابث والمتحول للكاتب السوري أدونيس.
وكانت الاحتفالية انطلقت قبل السهرة بساعتين من حديقة محمد الخامس بكارنفال شاركت فيه العديد من الفرق الفنية من داخل المغرب وخارجه، ذلك أن 200 فنان نجحوا في جعل العيطة وأحيدوس وكناوة وزيان والكدرة وعيساوة تنصهر في تناغم تام مع فرقة سانتوكا دي فويكو من البرازيل وإسبانيا والأرجنتين المتخصصة في الصامبا والريكي واليانسا، وفرقة بازياني من جورجيا التي تشتهر برقصة الذاكرة. والحديقة التي عاشت حدث يوم أول أمس هي التي تشرفت باحتفالات عيد الشباب برئاسة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1994، وكانت هذه الفرق جميعها ترقص وتغني على بعد أمتار من حائط بالحديقة، وضع عليه ليوطي المقيم العام الفرنسي سنة 1925 لوحة نحاسية شبه فيها الجديدة بدوقيل الفرنسية، وتمنى أن تكون مدينة متقاعدين وبدون هوية ثقافية، لكن الصخب الذي أحدثته تلك الفرق الموسيقية كذب متمنيات ليوطي، فالجديدة هي مع جوهرة مدينة للعطاء الفني والثقافي المتجددين.
وعلى عكس ما بدأت به السهرة من حزن على الراحلة مناف والضرير بن ابراهيم، انتهت على إيقاع شهب اصطناعية انطلقت من عمق البحر متفجرة في عنان السماء، وبألوان الطيف الذي هو وبكل تأكيد ذلك التنوع الذي يطبع النسخة الأولى من المهرجان الدولي جوهرة، واعتراف بالذاكرة الموشومة لعبد الكبير الخطيبي وإسهامات المفكر عبد الله العروي والروائي إدريس الشرايبي وعالم المنطق طه عبد الرحمان وقبلهم أبوشعيب الدكالي وامحمد الرافعي، وإبداعات الشعيبية والهبولي والديباجي.

عبد الله غيتومي (الجديدة)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق