ملف الصباح

شعباني: البعد الاضطراري بين الزوجين غالبا ما يؤدي إلى الطلاق

أستاذ علم الاجتماع أكد أن ظاهرة نزوع بعض الأزواج للإقامة في مكانين منفصلين جديدة على المجتمع المغربي

أكد علي شعباني، أستاذ باحث في علم الاجتماع أن الانفصال في الإقامة بين الزوجين ظاهرة دخيلة على المجتمع المغربي، الذي يقتضي فيه العرف الاجتماعي أن يعيش الأزواج في بيت الزوجية بعد الزواج،
في كل الأحوال التي تمر بها العائلة، إلا في اللحظات التي تعرف بعض الخصومات العادية، معتبرا أن السبب الرئيسي في ذلك،

يكمن في اضطرار المرأة إلى الخروج
إلى سوق العمل والمساهمة اقتصاديا في متطلبات بيت الزوجية. تفاصيل أكثر في الحوار التالي:

ما هي الأسباب التي تؤدي في نظركم إلى اضطرار الزوجين إلى الإقامة في منزلين منفصلين، رغم أنهما تربطهما رابطة الزواج؟
من الظواهر الحديثة التي بدأت تطفو على الساحة الاجتماعية المغربية، نزوع بعض الأزواج، اختيارا أو اضطرارا، للإقامة في مكانين منفصلين، قد يكون منزلا مستقلا أو غرفة، في المنزل المشترك. وهذه الظاهرة لم تكن متداولة في المجتمع المغربي قبل سنوات من الآن. فالعرف الاجتماعي يقتضي أن يعيش الأزواج في بيت الزوجية بعد الزواج، وفي كل الأحوال التي تمر بها العائلة، إلا في اللحظات التي تعرف بعض الخصومات العادية، حيث ينزع أحد الطرفين، الزوج أو الزوجة، إلى تجنب الآخر إلى حين ارتفاع أسباب الخصومة لتعود الحياة الزوجية بينهما إلى الإيقاع المعتاد، ما عدا في بعض الحالات التي كانت الزوجة، في حالة الغضب، أو عندما كانت تتعرض للضرب أو الإهانة، من طرف زوجها، تنتقل غاضبة إلى بيت أهلها، إلى أن تستوي الأمور بينهما بدون أن يكون هناك انفصال في العشرة والمعاشرة. أما الانفصال التام الذي كان يقع بينهما، فكان يتم عن طريق الطلاق، أو في بعض الحالات، عندما كان الزوج يضطر إلى المغادرة للعمل في مدينة أو بلد آخر، ليعود إلى بيته وزوجته بعد شهور من الابتعاد القسري عنها.
أما ما بدأ بعض الباحثين السوسيولوجيين يلاحظونه في هذا الصدد خلال السنوات الأخيرة، فيعود إلى التغيرات التي باتت تهم المجتمع المغربي على مستوى الحياة الاجتماعية والمعاشرة الزوجية. فقد لا يختار أحد الطرفين في الأسرة الطلاق ليتم الانفصال، ولكن قد يحصل ذلك عن طريق ابتعاد أحدهما عن الآخر طواعية أو اضطرارا، ولا يباشران واجبات الحياة الزوجية إلا بعد الاتفاق بينهما على الزمان والمكان.
إن الانفصال الاضطراري بين الأزواج في المجتمع المغربي له أسباب كثيرة، وخاصة بعد دخول المرأة سوق العمل من بابه الواسع، سواء في القطاعات العامة أو في القطاعات الخاصة. ومن هنا ظهرت الكثير من الإكراهات التي حتمت على كثير من الأزواج الانفصال والابتعاد عن بعضهما البعض.
وظهرت هذه الحالات بشكل كبير في السنوات الأخيرة في قطاعي التعليم والصحة، إذ بدأنا نجد أن هناك العديد من الأزواج منفصلين عن بعضهم بسبب التعيين في مقرات العمل متباعدة جغرافيا، ما يرغم هؤلاء الأزواج على العيش بعيدا عن الآخر. وهناك اليوم في المغرب العديد من رجال ونساء التعليم، ورجال ونساء القطاع الصحي من هم منفصلون اضطراريا عن بعضهم. والأمر لا يهم فقط القطاعين المشار إليهما، بل قد نجد مثل هذه الحالات في قطاعات أخرى، عامة أو خاصة. إن إكراهات العمل ورغبة النساء المتزوجات في المشاركة في النشاط الاقتصادي بكل فروعه، جعلت هذه الظاهرة تتقوى وتبرز في المجتمع المغربي الراهن بشكل قوي.

هل تؤدي هذه الحالة إلى طلاقهما؟
يمكن التغلب على الانفصال الاضطراري وتبعاته، بالعمل على لم الشمل بأية وسيلة، وهكذا قد تعود الحياة الزوجية إلى حالتها الطبيعية وفق ما تقتضيه الشرائع والعادات والثقافات الاجتماعية. كما قد لا يكون لها أي أثر على المشاعر العاطفية بين هؤلاء الأزواج، وربما تتقوى هذه العواطف، بالنظر إلى التضحيات التي قدمها كل طرف للآخر، عند اجتيازهما تلك اللحظات العصيبة وهما منفصلان جسديا عن بعضهما.
والانفصال الاضطراري بين المتزوجين، قد لا يؤدي إلى الانفصال النهائي، إلا في حالة اكتشاف أمور أو علاقات تسيء إلى نقاء وصفاء الحياة الزوجية. وقد تسببت فعلا، مثل هذه السلوكات، في طلاق الكثير من الأزواج.
عموما، لا يمكن أن ننسى أننا نعيش في بيئة اجتماعية ما تزال مثقلة بالكثير من رواسب الثقافة التقليدية التي لا تريد تقبل مثل هذه الوضعية، فالمجتمع الذي تكثر فيه النميمة، والقيل والقال، والتدخل الفضولي في أمور الناس الشخصية، لا تسلم فيه العائلات المنفصلة، بسبب العمل أو غيره، من الانتقادات العنيفة من الفضوليين، ومن عامة الناس.  
أما في حالة الانفصال الاختياري، فهذه ظاهرة حديثة، لا تخلو من تأثيرات الثقافات الأخرى، وبصفة خاصة، الثقافة الغربية، التي أصبح فيها هذا السلوك في حكم المعتاد، والذي لم يعد أحد يوليه الكثير من الاهتمام. ولكن، مع ذلك ما يزال هذا السلوك يثير الكثير من الاستغراب والاستنكار، ولا ينظر إليه الناس في المجتمع المغربي بنوع من الارتياح والتقبل. فما زالت هناك شرائح واسعة من الناس لا يستطيعون تقبل انفصال الأزواج عن بعضهم، بدون طلاق. ويستغربون مواصلة الحياة الزوجية وهما منفصلان عن بعضهما جغرافيا، أو حتى في حالة وجودهم في منزل واحد، ولكن كل واحد منهما يعيش في غرفته بعيدا عن الآخر.

ألا ترون أن العلاقات عن بعد تفقد روح العلاقة الزوجية، وتؤدي بها إلى الفتور؟
ليس بالضرورة أن تؤدي مثل هذه العلاقة إلى الفتور بين الأزواج. قد تكون هناك معاناة نفسية وغيرها، ولكن قد لا يؤدي ذلك إلى فتور في العلاقة الزوجية، ما عدا إذا تدخلت بعض الطوارئ المفسدة للعلاقات الزوجية.
إن الانفصال الاضطراري، يكون ظرفيا ومؤقتا، وحبل التواصل يبقى مستمرا، والاتصال بالهاتف أو غيره من الوسائل التكنولوجية الحديثة يكون دائما، مما يخفف، ولو معنويا، حجم معاناة الانفصال. بل على العكس من ذلك ربما يكبر الشوق لبعضهما، وتبقى القلوب متلهفة على ذلك اللقاء الذي قد يكتنفه الكثير من الشوق والحب، والذي يكون طال انتظاره.
والعلاقة الزوجية التي قد تصاب بالفتور بسبب الانفصال، هي تلك التي تكون مصحوبة باللامبالاة والجحود، وعدم تقدير الشخص الغائب والبعيد عن أسرته وأولاده وعن نسق الحياة الزوجية العادية. في مثل هذه الوضعية، لا تصاب هذه العلاقات بالفتور فحسب، بل قد تدمر الحياة الزوجية بكاملها، وقد تنتهي بالطلاق.
أما الإنسان الذي اختار حياة الانفصال عن زوجه عن طواعية، بدون أن يكون هناك طلاق، فقد يحدث ذلك، وفي حالات كثيرة، بسبب الفتور الذي قد يصيب العديد من الأزواج. وهؤلاء في الحقيقة، يعيشون حياة المطلقين بدون طلاق شرعي.

أجرت الحوار: هجر المغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق