ملف الصباح

تشبث الزوجة بمهنتها قد يتسبب في طلاقها

أبلال: المرأة أسيرة أطر أنثربو ثقافية تعمل على تكريس ضعفها وتبعيتها للرجل

قالت دراسة بريطانية إن 10 أسباب رئيسية تتسبب في انفصال الأزواج. ومن بينها تشبث الزوجة بمسارها المهني، الذي غالبا ما يواجهه الزوج بالرفض، إذ أن 26 في المائة من النساء المستجوبات أكدن أن وقوف الزوج أمام تحقيق طموحهن ورفض مسارهن المهني، يتسبب في انقطاع العلاقة الزوجية.

هل يكون فعلا المسار المهني للمرأة من أهم أسباب انفصالها عن زوجها، حسب ما جاءت به الدراسة البريطانية؟
معلوم سوسيولوجيا أن العلاقات الثنائية بين الجنسين تتأسس على قاعدة من  الخيارات والقناعات المتبادلة، كما تتأسس وظيفيا على عدد من الأهداف والغايات، مما يجعل من مؤسسة الزواج بصفتها شكلا من أشكال مأسسة هذه العلاقة تخضع بالضرورة للعديد من العوامل الاجتماعية، والنفسية الاقتصادية والثقافية، ولذلك  فالهدم  والتفكيك يخضع بالضرورة لمقتضيات البناء والتأسيس نفسها، بمعنى أن الانفصال الذي قد يحدث بين الزوجين أو الشريكين بصفة عامة، يكون نتيجة خلل في نسق هذه المؤسسة، وبمعنى آخر خلل في العلاقة بين الجنسين، ولذلك فإن المسار المهني للمرأة قد يكون سببا لانفصالها عن زوجها إذا كانت تجليات هذا المسار تعوق التواصل الايجابي بينهما، وتلبي شعور التذمر والإحباط لدى الزوج، وهنا نكون أمام طبيعة شخصيته وأبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية، طالما أن الزوج قبل في البداية عمل شريكته، بمعنى أن النجاح المتواصل للزوجة يكون في هذه الحال سببا من أسباب  الانفصال، إذا كان هذا النجاح يؤثر سلبا على شخصية ونفسية الزوج، أو كانت ضريبة هذا النجاح  أو هذا المسار هو تخلي الزوجة عن مسؤولياتها الأسرية وواجباتها تجاه الزوج و الأبناء، هنا كذلك نكون أمام خلل في أداء نسق هذه المؤسسة، وبالتالي يصبح الانفصال في حالات عديدة حلا لانفراج الأزمة.

وهل يمكن تفادي ذلك دون أن تتنازل المرأة عن ما تعتبره مهما أيضا؟
كما أشرت في العديد من المناسبات، مثلما في كتابي حول الإخفاق الاجتماعي، فإن عقد النكاح بين الجنسين، يشكل في الحقيقة عقدا ماديا لاتفاق الشريكين من أجل الاقتران وتأسيس الأسرة، وهو الاتفاق الذي يأتي بعد تفاهم واتفاق على العديد من القضايا :”الطباع، العادات، الأوليات، الأهداف، التنازلات…..” وبالتالي فإن الاتفاق بين الجنسين إذا جاء نتيجة الحوار بين الجنسين، فإن استمرار تفعيله سجلا تعاقديا بينهما يقتضي استمرار الحوار بينهما، إذن لتفادي كل خلل بينهما يجب الاستمرار في الحوار وتقديم التنازلات بشكل تفاوضي لصالح نجاح الأسرة والعلاقة الزوجية، مع مراعاة  الأبعاد النفسية والاجتماعية لكل منهما. بمعنى أن المرأة يجب أن تعمل على أن يكون مسارها المهني منفعة مشتركة  يستفيد منها الزوج والأسرة بصفة عامة، وما ينطبق عليها ينطبق عليه. وإلا فإن الانفصال يكون هو الحل خاصة حينما تتأزم العلاقات الثنائية بينهما.

وهل في هذه الحالة، المرأة تكون السبب في الانفصال أم الرجل الذي يرفض أن يرى زوجته ناجحة مهنيا؟
إذا كان الزواج باعتباره بناء يكون بالاتفاق، فإن الطلاق أو هدم العلاقة يكون كذلك نتيجة الاتفاق هذا مبدئيا ونظريا، لكن الواقع الاجتماعي يؤكد أن المتضرر يلجأ إلى طلب الانفصال، لكن السبب ليس الزوج أو الزوجة، ولكن نتاج العلاقة بينهما، وطبيعة الضرر الذي يلحق الزوج نتيجة المسار المهني للزوجة، إذ أحيانا يكون النجاح في حد ذاته مطلوب من طرف الزوج، لكن تجلياته وتبعاته على تدبير الشؤون المنزلية والجنسانية والتربوية تكون سلبية وغير مرغوب فيها، وبالتالي يكون الزوج أمام رهان الخيارات، وغالبا ما يتم اللجوء إلى الخيار الأنسب. وأحيانا نكون كما قلت سابقا أم حالات شخصية وسجلات نفسية، تكون شخصية الزوج بموجبها شخصية ضعيفة لا تتقبل نجاح زوجته، وبشكل عام ففي المجتمعات العربية  الذكورية حيث تتضخم الأنا الفحولية لدى الرجل يكون نجاح الزوجة المهني وحركيتها الاجتماعية والثقافية من أسباب الانفصال، فالرجل المغربي/العربي بشكل عام لا يتقبل من منظور الهيمنة الذكورية التي تعتبر جوهر النسق الثقافي الذي يؤسس مرجعية التنشئة الاجتماعية نجاح زوجته وتفوقها المهني والثقافي.

لماذا ترفض المرأة التنازل عن مسارها المهني، رغم أنها تعلم جيدا أن ذلك سيؤدي إلى الانفصال؟
الأسباب بطبيعة الحال متعددة، وتتعلق بطبيعة  وتاريخ العلاقة بينهما، كما تتحدد بالانطلاق من سجل ثوابت ومتغيرات كل شخصية منهما، فالمرأة كما الرجل تخضع في إطار العلاقات الثنائية لمنطق الرهانات والخيارات، فهي إن وجدت نفسها في العلاقة فهي تقدم بالضرورة تنازلات، وإن كان العكس فتجدها تصر على الانفصال طالما أن الانفصال سيضمن لها خيارات أفضل، ولذلك يجب دراسة الظاهرة في تعدد مناحيها وصورها، ففي حالة وجود الأطفال نكون أمام متغيرات جديدة لها قيمتها التحليلية، وفي حالة السن المتقدمة للزوجة على حساب سن الزوج الشاب نكون أمام متغيرات أخرى، وبالتالي فالإجابة على السؤال تقتضي عرض كل حالة على حدة. وبشكل عام كلما شعرت المرأة بالإهانة وكراهية الزوج لنجاحها تأكدت أنه لا يحبها، والمرأة في العالم  كونها هو الحب، فهي رومانسية بطبعها، وهي تعيش بالحب ومن أجله، ولذلك كلما شعرت بالعكس فضلت الانفصال.

هل للمجتمع دور في رفض الرجل الاعتراف بنجاح زوجته مهنيا؟
المجتمع العربي نتيجة العديد من الاحباطات المتوالية، ونتيجة ثقافة ذكورية مبنية على فحولة متخيلة كما أشرت إلى ذلك في كتابي الأخير حول “الإخفاق الاجتماعي بين الجنس، الدين والجريمة”، هو مجتمع  اللا نجاح، مجتمع يكره النجاح، لأن النجاح هو نتيجة قيم ثقافية مثل الاستحقاق، والاجتهاد، والمساواة …، ولذلك تجدنا في غياب هذه القيم لا نستشعر النجاح ولا نتذوقه، حتى أن الإنسان يسعى إلى إخفاء نجاحاته خوفا من عين الحسود. كما أن النجاح في ظل الهيمنة الذكورية التي من تجلياتها الحجر والهيمنة يصبح شيئا بعيد المنال، من هنا نجد أن الثقافة العربية الإسلامية في شقها الشعبي  ثقافة الضعف والاستسلام والاستصغار، لذلك فالمجتمع هو الإطار العام الذي تنشأ فيه العلاقات الاجتماعية، وتتلون بلون وتنطبع بطابعه الثقافي والتاريخي، ومادام المجتمع ذكوريا يحيا بالهيمنة والحجر المؤسس على الفحولة المتخيلة، فإن نجاح المرأة وتفوقها يعد شيئا مستهجنا ومرفوضا بشكل شعوري أحيانا ولا شعوري أحيانا أخرى، من طرف المجتمع الذكوري.
إن المتخيل الجمعي في البلدان العربية والمتخلفة بشكل عام يجعل المرأة أسيرة أطر  أنثربو ثقافية تعمل على تكريس ضعفها وتبعيتها للرجل وفق تصور أيديولوجي يمنح نسقه المركزي من الهيمنة الذكورية. ومن هنا يصبح وعي النساء بأوضاعهن سياسيا ونجاحهن المهني بداية فعلية لتفكيك المجتمع الذكوري.

أجرت الحوار: إيمان رضيف

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق