fbpx
مجتمع

دار بوعزة… بعد التبوريدة غناء ورقص حتى مطلع الفجر

ثمانية أيام من الفرجة المتواصلة على إيقاع البارود اختُتِمت بسهرة شعبية راقصة

لما كانت المدن الأخرى تغلي من فرط درجات الحرارة الملتهبة، وضجيج سياراتها، وهرج سكانها، كانت دار بوعزة ترقص فرحا، وتستقبل الزوار والضيوف الذين حلوا من كل فج عميق، من داخل المملكة وحتى من خارجها، فرقت بينهم المواطن لكن جمعتهم «التبوريدة»، وهدوء البلدة وسكونها ونسائم شاطئها المنعشة، لقد توافدوا على المنطقة بالآلاف…

الحَرّ تركناه خلفنا في المتروبول «المجنون». ضجيج العربات الذي يصم الآذان بدوره بقي هناك. التلوث الخانق والزحمة أيضا خلفناهما هناك…وهنا في دار بوعزة استقبلتنا نسائم البحر الباردة والمنعشة. أشعة الشمس هنا تحجبها سحب كثيفة.
الطريق إلى ساحة مهرجان «التبوريدة» مكتظة بالزوار والزائرات. الأطفال والشباب والنساء والرجال والشيوخ، كلهم يتجهون صوب وجهة واحدة، وكأنهم حجوا من كل فج عميق. كلهم يقصدون ساحة «التبوريدة».
حركية دؤوبة لا تتوقف. هنا لا تسمع غير صيحات الأطفال وضحكاتهم، وبين الحين والآخر، طلقات بارود تدوي في سماء جمع غفير تحلق حول سياجات حديدية. طلقات البارود التي تخفق لها قلوب صغار الأطفال، وأيضا قلوب النسوة اللائي تحلقن بدورهن وسط الحشد الغفير.
إنه زوال يوم أحد. الأحد 10 يوليوز. في دار بوعزة ولدى زوارها، هذا التاريخ يعني شيئا واحدا: إنه نهاية سبعة أيام من الفرجة والمرح والمتعة، فرجة صنعتها طلقات بنادق «التبوريدة»، وحوافر الخيول المسومة. «في الدورات السابقة كان الموسم (المهرجان) ينظَّم على مدار عشرة أيام، لكن دورة هذا العام قلصت إلى ثمانية أيام»، يقول عبد اللطيف البيضاوي، من اللجنة التنظيمية، وكأنه يتأسف على يومين (ضاعا) من الفرجة والتسلية المضمونة.
بلدية دار بوعزة شرعت هذا الزوال في توديع زوار الدورة السادسة والعشرين من موسمها الذي تنظمه على شرف الفروسية والفرسان. جودة التنظيم العالية وشروط الراحة والفرجة التي وفرها منظمو الموسم لم تكن لتجعل الضيوف الكثر يرحلون دون حضور اليوم الختامي. كل الشهادات التي استقتها «الصباح» من زوار موسم «التبوريدة» أجمعت على أن التنظيم كان «جيدا» وفي «مستوى موسم من حجم موسم دار بوعزة»، تقول شابة من بنات بلدة دار بوعزة.
«اللجنة التنظيمية حرصت على توفير كل الشروط التي تيسر عمل الفرسان، وتضفي على الفضاء رونقا وجمالا يؤثثان الفرجة والاستمتاع»، يقول البيضاوي بحماس باد. ثم يضيف «لقد زودنا كل الخيام بالكهرباء والماء الصالح للشرب». وهو يشير إلى الخيام التي نصبت لاستيعاب الحشود الغفيرة التي حجت إلى الموسم. وكذلك الخيام التي أقيمت لاحتضان الفرسان. الربط بالماء والكهرباء، لم يقتصر على ذلك فقط، بل شمل أيضا خيام الأسر والأفراد الذين فروا من جحيم المتروبول وجحيم مدن أخرى ولاذوا بدار بوعزة طلبا لهدوئها وسكينتها وهوائها المنعش الذي تلفظه أمواج الأطلنتي.
أشعة الشمس التي تنساب عبر السحب المنقشعة تبث حرارة في أوساط الحاضرين، خاصة النسوة اللائي يرتفع صوت زغاريدهن صادحا لا تضاهيه إلا صيحات الأطفال وطلقات البارود التي تلعلع بدورها في فضاء ساحة «التبوريدة» فيما يشبه سيمفونية أسطورية تنبعث من باطن ما سمته العرب قديما بحر الظلمات (المحيط الأطلنتي).
إنهم كثر. كثر جدا هم زوار الموسم. «قد أقول حوالي 40 ألف زائر من كل الشرائح والأعمار»، يقول عبد الكريم شكري رئيس المجلس البلدي لدار بوعزة، الذي يسهر على تنظيم هذا المهرجان سنويا ومنذ 26 عاما. «اعتدنا تنظيم الموسم في الفترة التي يحتفل فيها المغاربة بعيد العرش، وهذا العام ارتأينا تقديمه قليلا حتى يتزامن مع احتفالات المغاربة بالتصويت على الدستور الجديد»، يشرح شكري لـ»الصباح» وهو يتطلع إلى الحشود التي تحلقت حول ساحة التبوريدة.
الخيام الأربع التي نصبت قبالة الساحة مملوءة عن آخرها. الزوار ضاق بهم فضاء الخيام بما رحُب. النساء والرجال والأطفال والشباب والشيوخ اقتعدوا الأرض وبعضهم جلس القرفصاء على طول خمسة إلى سبعة أمتار أما الخيام. الكل يرغب في أن يقابل «السربات» (مجموعات الفرسان وخيولهم) تتقدم كجلاميد صخور تزحف من علٍ.
«سمح ليا ندوز عفاك»، تقول أم تحمل فوق ذراعها طفلا يبدو أن سنه لم يتجاوز الرابعة بعد، وعلى يسارها ابنتها الصغيرة وعلى يمينها طفل آخر، بنبرة متوسلة للأعداد الغفيرة التي انتصبت متطلعة للخيول المطهمة… والمزيد من ضيوف دار بوعزة مازالوا يتوافدون، بعضهم اخترق، بصعوبة بالغة، جحافل الحشود الحاضرة لينضم إلى الجماهير التي اقتعدت الأرض أمام الخيام الأربع المقابلة للساحة، والباقون التحقوا بالذين اصطفوا أمام السياجات.
برنامج اليوم الختامي من الموسم يبدو كثير التشويق، وهذا ما يفسر الأعداد الكبيرة من الزوار التي حجت والتي مازالت تتوافد. فالليلة الختامية، كما يوضح شكري، تتضمن سهرة فنية شعبية ستنطلق على الساعة التاسعة من هذه الليلة؛ ستؤثثها زينة الداودية، ومجموعة تكادة وبعض المجموعات الفنية المحلية من دار بوعزة وضواحيها، الرقص والغناء «سيستمر إلى الرابعة صباحا من اليوم (الاثنين)»، يؤكد شكري.
«لم نسجل ولو حادث إخلال بسيط بالأمن طيلة أيام المهرجان»، يقول أحد رجال القوات المساعدة، التي انخرط عناصرها؛ إلى جانب رجال الدرك، في عملية الحفاظ على الأمن واستتبابه عند أي انزلاق. «ما نسجله هو بعض الحوادث البسيطة المعزولة، كأن يتيه طفل عن أمه، لا أكثر»، يقول العنصر الأمني بزهو ظاهر، لكنه مستحق. فالتنظيم تلوح بوادره بمجرد ما تطأ قدماك تراب البلدة، فعلى طول الطريق المؤدية إلى ساحة التبوريدة ينتشر عناصر الدرك الملكي، ينظمون حركة السير ويستتبون الأمن ويحولون دون وقوع أي انفلات.
غادرنا ساحة التبوريدة، وتركنا سكان دار بوعزة وضيوفهم يختمون ثمانية أيام بلياليها من الفرجة والمتعة والترويح عن النفس. ضيوف حل بعضهم من خارج أرض الوطن وارتأى أن يُعرج على البلدة ليشاطر أهلها فرحتهم بموسمهم قبل مواصلة الطريق إلى حضن الأهل والأحباب.

محمد أرحمني(صحافي متدرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى