fbpx
خاص

شعباني: ذكاء المشعوذ يسهل الإيقاع بضحيته

أستاذ علم الاجتماع اعتبر أن الأمل في بلوغ المراد يجعل زبناءه يلبون طلباته

أكد علي شعباني، أستاذ باحث في علم الاجتماع، أن العديد من المشعوذين يتمتعون بذكاء عال، وبقدرة فائقة على الإقناع، وهو ما يسهل عليهم مأمورية الإيقاع بضحاياهم من النساء والفتيات، وحتى الرجال، خاصة عندما يربطون المصلحة التي يبحثن عنها، أو المرض الذي يعانينه «بضرورة» ممارسة الجنس معهن. وعزا شعباني أسباب استمرار عادة الإقبال على المشعوذين

والدجالين إلى استمرار توغل العادات المستمدة من الفكر الخرافي في المجتمع المغربي، رغم ما يعرفه من تقدم وتغيرات جوهرية على أكثر من صعيد.
تفاصيل أكثر حول الموضوع في الحوار التالي:

الأكيد أن إقبال المغاربة على «الفقها» والمشعوذين كان ممتدا عبر التاريخ، لكن برأيكم لماذا يستمر هذا الإقبال، في صفوف الرجال والنساء على حد سواء رغم ارتفاع درجة الوعي والتعليم في المجتمع؟
صحيح أن إقبال بعض المغاربة رجالا ونساء على المشعوذين والدجالين ليست ظاهرة حديثة، وإنما هي عادة ضاربة جذورها في التاريخ البعيد للمجتمع المغربي. إلا أنه رغم اتساع نسبة التمدرس، والارتفاع النسبي للوعي في الوسط المغربي فما تزال بعض الفئات من المغاربة، ذكورا وإناثا، يمارسون عادة زيارة المشعوذين والدجالين والتماس بركة «الأولياء والصالحين»، آملين تحقيق بعض الغايات والحاجات.
وعندما يتأمل الباحثون والدارسون في أسباب استمرار هذه العادة وصمودها أمام التغيرات العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي، يقفون أمام عامل أساسي، يتمثل في ارتفاع نسبة الأمية في المجتمع، رغم الارتفاع النسبي للتمدرس والمجهودات التي تبذل على هذا المستوى.
ومن المعروف أن المجتمع المغربي لم ينخرط في مؤسسات المجتمعات المتقدمة من قبيل المدرسة الحديثة والمؤسسات الاستشفائية الراهنة إلا حديثا. وقبل ذلك كان المغرب يعيش في ظل مؤسسات تعليمية واستشفائية تقليدية، وأحيانا مغرقة في التقليد، مما رسخ في عقليات المغاربة رجالا ونساء الاعتقاد في بركة «الأولياء والصالحين»، والقدرة على مواجهة أو معالجة الأمراض، أو التغلب على بعض المشاكل وحل بعض الإكراهات التي تصادف الإنسان في حياته باللجوء إلى «الفقها» والمشعوذين والدجالين الذين يوهمون «زبناءهم»، بأنهم يتوفرون على «البركة» التي بواسطتها يعالجون المرضى ويفكون كل أصناف «العكوسات» التي يتعرض إليها زبناؤهم.
واليوم، ورغم ما يعرفه المجتمع المغربي من تقدم ومن تغيرات جوهرية على أكثر من صعيد، فإن هذه العادة ما زالت منتشرة بين عدد كبير من المغاربة، بسبب تسريب العادات المستمدة من الفكر الخرافي والثقافة التقليدية التي ما تزال تفعل فعلها في عقول الكثير من المغاربة، هذا بالإضافة إلى أن الكثير من المغاربة لا يستطيعون ارتياد المؤسسات الاستشفائية العصرية، في حالة بعض الأمراض مثلا، بسبب الفقر أو الجهل، أو لإيمانهم القوي «ببركة المشعوذين والفقها».

ما هي الفئة الأكثر إقبالا، من حيث العمر والجنس والمستوى الاجتماعي والاقتصادي؟
من الصعب تحديد نسبة المقبلين على زيارة المشعوذين والدجالين، والإدلاء بمعطيات إحصائية دقيقة حول هذه الظاهرة، لأن ممارستها، عادة ما تتم في سرية تامة، وحتى عندما يكون هناك بعض «الفقها» معروفون، فعند استفسارهم، يرفضون الكشف عن عدد وأصناف زبنائهم، ويبقى فقط ملاحظة مرتادي أضرحة بعض «الأولياء والصالحين».
وهناك من قام من الباحثين في علم الاجتماع  والأنثربولوجيا بدراسة حول بعض هذه الأضرحة، من قبيل ضريح مولاي عمر وسيدي بوعبيد الشرقي ومولاي عبد السلام بن مشيش، دون ذكر العديد من الأضرحة التي تعرف إقبالا مكثفا في كل المدن والبوادي المغربية. وتفضي هذه الدراسات إلى أن مرتادي هذه الأماكن من كل الشرائح الاجتماعية، غير أن هناك خاصية لبعض هذه الأضرحة التي تعرف إقبال النساء عليها أكثر من الرجال، أو الفتيات العازبات أكثر من النساء المتزوجات، كما هو الأمر بالنسبة إلى ضريح «لالة عيشة البحرية»، أو ضريح «مولاي إبراهيم»، أو ضريح «سيدي العربي بن السايح» بالرباط، أو «سيدي بن عاشر» بسلا …الخ.
أما في حالة الإقبال على المشعوذين و»الفقها» والدجالين، فالإقبال على هؤلاء يكون «حسب الاختصاص». ويمكن ملاحظة بأن كل الفئات اجتماعية، سواء حسب العمر أو الجنس أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي، كل حسب حاجته يقبلون على عيادة من يرونهم مناسبين لقضاء حاجتهم. ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد، أن هناك عددا كبير من الشخصيات السياسية، أو البارزة في مجال الأعمال، أو في المناصب العالية في الدولة، يقبلون هم أيضا، على بعض المشعوذين أو «الفقها المختصين» في فك بعض «العكوسات»، أو توسل بعض «الحاجات» المساعدة على الترقية في المناصب، أو «المساعدة للحصول على بعض الصفقات»، أو غيرها من الغايات المراد تحقيقها.

بعض المشعوذين يوهمون زبائنهم بأن العلاج من مرض ما أو قضاء غرض أو مصلحة يستوجب مضاجعتهم بذريعة أن ذلك بطلب من الجن الذي يسكنهم. والكثيرات ينسقن وراء هذه الطلبات. لماذا برأيكم يسهل استدراجهن؟ أي ما العوامل التي تسهل الانصياع إلى مثل هذا الطلب؟ وهل هي مرتبطة بالسن أو المستوى الثقافي والاجتماعي أم أن هناك أسبابا أخرى لذلك؟
من الشائع أن هناك الكثير من التجاوزات التي تقع في حالة زيارة بعض النساء لمشعوذين ودجالين. وكثيرة هي تلك الحالات التي تعرضت لها بعض وسائل الإعلام، خاصة وسائل الإعلام المكتوبة. وقد تصل هذه التجاوزات إلى غاية الاغتصاب، أو ممارسة الجنس مع المشعوذ والدجال، وانصياع بعض الفتيات والنساء لذلك لأن المشعوذ استطاع إقناعهن بأن هذه الممارسة ضرورية، إما لأنها استجابة لنداء «الجن «الذي يسكنهن، أو لأن ذلك «ضروري» لعلاجهن أو لبلوغ حاجاتهن التي يرغبن فيها.
ومن المعروف أن مثل هذه الأعمال التي يقوم بها الدجالون والمشعوذون تعتمد كثيرا على النصب والاحتيال والتغرير بزبنائهم من النساء والفتيات العازبات.
إن العديد من المشعوذين يتمتعون بذكاء عال، وبقدرة فائقة على الاقناع، وهو ما يسهل عليهم مأمورية الإيقاع بضحايا من النساء والفتيات، وحتى الرجال، خاصة عندما يربطون المصلحة التي يبحثن عنها، أو المرض الذي يعانين منه «بضرورة» ممارسة الجنس معهم. ومن المعروف بطبيعة الحال، أن الذي يعاني شدة المرض، والذي يكون تحت ضغط الحاجة، يسهل استدراجه، ويكون، في الغالب، مستعد لتلبية أي طلب، مهما كان نوعه. والمغرر بهن، في مثل هذه الحالات، من كل الفئات الاجتماعية بغض النظر عن السن أو المستوى الثقافي أو الاجتماعي للمغرر بهن، فكلهن قد يقعن ضحية بعض المشعوذين والدجالين الذين يكون هدفهم الإيقاع بالفتيات والنساء دون أي هدف آخر.
إنه لمؤسف حقا أن نلاحظ استمرار مثل هذه العادات في المجتمع المغربي الراهن، الذي يسعى إلى اللحاق بالمجتمعات المتقدمة. فيبدو أنه ما زالت هناك مراحل طويلة يتوجب اجتيازها، للقطع مع بعض الممارسات التي تعود إلى عصور بائدة. فليس مقبولا إطلاقا، انصياع فتيات ونساء، لرغبات متوحشة لبعض المشعوذين، باعتبار أنهم بذلك، سيجلبون لهن الحظ، ويحققون لهن مآربهن، والشفاء من أمراضهن، والتخفيف من معاناتهن.

أجرت الحوار: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى