fbpx
الأولى

أطباء يتحولون إلى سماسرة للشركات الطبية

ابتزاز المرضى وتوجيههم إلى محلات للمعدات الطبية ومختبرات معينة مقابل عمولات يتقاضاها “بروفيسورات”

استغرب عاملون بقطاع الصحة وعائلات مرضى بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء الصمت إزاء ما وصفوه ب «النفوذ المتضخم»، لبعض الأساتذة الأطباء (البروفيسورات) الذين حولوا هذا القطاع العمومي إلى بقرة حلوب تدر عليهم ملايين الدراهم سنويا، في شكل عمولات ونسب مالية عن عمليات جراحية «مُصدرة» إلى  المصحات الخاصة، وبيع وشراء في الأجهزة الطبية وأدوية وتحاليل مخبرية وكشوفات راديوغرافية.
وتحدث عدد من الممرضين والتقنيين والإداريين، في تصريحات متفرقة لـ«الصباح»، عن العلاقات «المتينة» التي ينسجها عدد غير قليل من هذه العينة من الأطباء المتخصصين مع عدد من مراكز الأشعة الراديوغرافية والمختبرات البيولوجية ومحلات بيع المعدات والأجهزة الطبية وصيدليات بعينها، وتحويلها إلى حدائق خلفية لتوجيه المرضى (الزبناء) إليها دون غيرها، مقابل عمولات ونسب مالية تصل في شكل أغلفة، عبر وسطاء وسماسرة، إلى الطبيب أو البروفيسور المعني. كما أشار ذوو مرضى إلى أنهم اقتنوا المعدات أو الأدوات الطبية نفسها التي طلبت منهم من شركات غير التي وجهوا إليها من قبل الطبيب المكلف، وبثمن أقل بكثير مما طلب منهم في الشركة التي نصحهم بالتوجه إليها، إلا أنهم فوجئوا برفضه لها وامتناعه عن إجراء العملية إلا بعد التأكد من أن الفاتورة المؤداة عن هذه المعدات مصدرها الشركة نفسها التي أرشدهم إليها.
وأكد تقني مختبر للأشعة والراديو غير بعيد عن مستشفى ابن رشد، في اتصال لـ«الصباح» به، أنه يعرف أسماء الأطباء والأساتذة العاملين بالمركز الاستشفائي في عدد من التخصصات  يستغلون ثقة المرضى وحالات الارتباك الذي يفرضها تفاقم المرض لفرض نوع من التوجيه من أجل إجراء تحاليل أو أشعة أو جلب أدوية ومعدات طبية من محلات بعينها، وإذا اقترح المريض أو عائلته محلا أو مصحة أخرى يكون مصيره التهميش، وأحيانا رمي التحليلات أو الفحوصات غير المرغوب فيها في سلة المهملات، وطلب أخرى من عنوان بعينه.
وتستدل مصادر «الصباح» على وجود هذه التجاوزات الذي تدر أرباحا شهرية على أصحابها بحالة الغضب و»الاحتجاج العارم» التي انتابت بعض الأساتذة الأطباء حين شرعت الإدارة العامة للمركز الاستشفائي ابن رشد، بتاريخ 8 يونيو 2009، في تطبيق تعرفات منخفضة على بعض أجهزة الراديو، مثل «تي.دي.إم» الذي انخفض من 600 إلى 200 درهم (في القطاع الخاص ما بين 1200 و1500 درهم)، وراديو «إِ.إر.إم» الذي يمكن إجراؤه اليوم بابن رشد بـ500 درهم، بدل 1500 درهم سابقا (القطاع الخاص 3500 درهم)، وهناك أيضا فحص أونجيوغرافي الذي حددت تعرفته في ألف درهم، بدل 5 آلاف درهم بالمصحات الخاصة، أو «كونوناروغرافي» الذي تطلب المصحات الخاصة إزاءه 8 آلاف درهم، مقابل ألف درهم بالمركز الاستشفائي ابن رشد.
قالت المصادر نفسها إن مثل هذه التعرفات قد يضيق على البعض هامش الربح الذي كانوا يتقاضونه بتوجيه المرضى وعائلاتهم إلى مراكز ومصحات بعينها لإجراء هذه الأنواع من الفحوصات، مقابل عمولات يتحصلون عليها في الحال، ما يبرر، حسب المصادر نفسها، مظاهر الغنى الظاهر (سيارات باهظة الثمن وأسفار وإقامات في جنوب اسبانيا…) على بعض الأستاذة الأطباء الذين لا تزيد أجورهم بالقطاع العام، وفي أحسن الأحوال، عن 35 ألف درهم شهريا.
وأرجعت المصادر تفاقم هذا النفوذ والاستغلال والاتجار في صحة المواطنين إلى حالات التساهل في فرض القانون وترهل قنوات المراقبة وآلياتها بوزارة الصحة، وقالت إن الوزارة لم تتحرك، إلى حدود اليوم، لفرض الانتهاء العملي مثلا امتياز «تي.بي.أَ» الذي كان يسمح للأستاذة الأطباء، في فترة خمس سنوات فقط من 1999 إلى 2001، بالاشتغال في القطاع الخاص لساعات محددة في الأسبوع، قبل أن يتحول هذا الامتياز إلى رخصة مطلقة، يشتغل بعض الأساتذة بموجبها ساعة أو ساعتين أسبوعيا بمستشفيات القطاع العام، والباقي يقضونه في مصحات القطاع الخاص، مقابل أغلفة مالية مهمة يتقاضونها نقدا فوق الطاولة، إمعانا في التملص الضريبي.
وأكدت المصادر ذاتها أن هذا الامتياز المحدد بدورية للوزير الأول رقم 99/30 بتاريخ 19 نونبر 1999 انتهى العمل به منذ تسع سنوات، لكن بعض الأستاذة مازالوا مستمرين في تطبيقه على قدم وساق، ما دفع وزيرة الصحة إلى التهديد باللجوء إلى القضاء في حالة استمرار خرق القوانين المنظمة للوظيفة العمومية وقطاع الصحة (دورية داخلية رقم 47 صادرة بتاريخ 26 يونيو 2008).
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى