حوادث

من توحيد المحاكم إلى القاضي الوسيط بالبيضاء

القطب الجنحي بعين السبع
الواقع لم يفرز توحيد الاجتهاد القضائي وأبعد أطراف الخصومة عن القاضي

مرت ست سنوات على تطبيق ما أطلق عليه توحيد المحاكم، وإن كانت الفكرة في حد ذاتها تحمل فلسفة مثالية تنسجم مع متطلبات التغير العمراني الذي حصل في الدار البيضاء، وتنصرف أساسا إلى اعتبارها النواة القضائية التي تخوض تجربة يمكن الاستفادة منها ومن مميزاتها، لتعميمها على باقي المدن،
سواء من حيث نموذجية الأحكام وتوحيد الاجتهاد أو تقريب المواطن من المؤسسة القضائية. ظهر، بعد ست سنوات من تطبيق توحيد المحاكم، أن التوحيد نجح فقط في لملمة الملفات ونقلها إلى بناية واحدة وتوزيع القضاة على أقسامها وإجبار المتقاضين المنتمين إلى مختلف عمالات المدينة المليونية  على الحضور إليها لمتابعة قضاياهم، فيما بات المطلوب من العملية من توحيد الاجتهاد القضائي وتسريع البت وضبط الملفات أمرا معقدا يتداخل فيه الشخصي مع العمومي، إذ بعد كل تلك السنوات جاء وزير جديد بفكرة جديدة أطلق عليها الوسيط القضائي في محاولة لإزالة اللبس لدى المواطن وتوجيهه والإجابة على استفساراته الكثيرة حول سير العدالة.
وهمت الانتقادات الأولى التي برزت مع البدء في العمل بنظام توحيد المحاكم، المتعاملين معها، من متقاضين ومحامين وقضاة، وبصفة عامة جميع أطراف الخصومة القضائية، سيما لما طفا على السطح حينها من مشاكل. أما المسؤولون عن التوحيد فقد رفعوا مجموعة من المزايا التي يوفرها النظام الجديد من بينها أن توحيد العمل القضائي على مستوى محاكم الدارالبيضاء سيوصل إلى اجتهاد قار، ثم إن من شأن هذا التغيير أن يخلق جوا من التنافسية بين القضاة ويدفع إلى الرفع من جودة العمل القضائي وتصريفه في أحسن الظروف.
وهمت تغييرات جغرافية المحاكم بالبيضاء في البداية، جعل بناية الألفة مخصصة لمحكمة الاستئناف الدارالبيضاء (غرفة الجنايات، غرفة الجنايات الاستئنافية، استئناف باقي الغرف المدنية…)، ووضع القطب الجنحي (غرفة الابتدائية الجنحية، غرفة الجنح الاستئنافية، الغرفة الجنحية وكذا النيابات العامة لمختلف المحاكم)، في البناية المقابلة ل «كوماناف» بشارع الجيش الملكي، فيما أصبحت محكمة آنفا الواقعة قرب مقر مجلس المدينة مخصصة للنظر في القضايا المدنية والاجتماعية، أما قضاء الأسرة فأنيط بمحكمة الأحباس الواقعة بتراب عمالة الفداء.
وبعد مدة وقعت تغييرات على الصعيد المحلي، بأن تحولت محكمة القطب الجنحي من البناية المقابلة ل (كوماناف) إلى البناية الجديدة المشيدة بعين السبع، والتي تبعد عن سابقتها بحوالي سبع كيلومترات، وأعطيت التبريرات حينها بقربها من السجن، فيما محكمة الألفة التي يساق إليها الموقوفون في الجنايات، والتي تقع في الضفة الأخرى للبيضاء ولم يراع بعدها عن السجن من قربها. كما أن محكمة الأسرة عرفت بدورها اكتظاظا كبيرا لم ينفع معه إلا اللجوء إلى تقنين مواعيد الجلسات، بتحديد توقيت معين لكل متقاض، وإبعاد قضايا النفقة منها وجعل مقرها بمحكمة آنفا في محاولة لحل مشكل الحضور القوي لقضايا الأسرة والتخفيف من عبئها.
ويعيب الحقوقيون على توحيد المحاكم، تراجع ما يسمى باللامركزية، إذ بعد أن كانت كل عمالة تقريبا، تتمتع بقضائها على صعيد المحاكم الابتدائية، التي تعرف الإقبال الكبير، تم تجميع كل العمالات في محكمة واحدة، مع ما تعرفه المدينة المليونية من نمو ديموغرافي، ما خلق مشاكل إن على مستوى النيابة العامة التي تجد صعوبة في تصريف الملفات المعروضة عليها عند إنجازها مسطرة التقديم، والتي ترد من كل المناطق الأمنية المقسمة على حساب كل عمالة، وأيضا كثرة الملفات المعروضة على القضاة. ورغم تقسيم هيآت الحكم، فإن المشكل مازال قائما.
أما عن توحيد الاجتهاد القضائي، فأوردت المصادر ذاتها أن توحيد المحاكم، لم يفرز تنسيقا على مستوى الاجتهاد القضائي، إذ باستثناء قضايا الاتجار في المخدرات تبقى الأحكام الأخرى متفاوتة، أكثر من ذلك فإن خلق مؤسسة قاضي التحقيق لدى المحكمة الابتدائية لم يملأالفراغ الحاصل، إذ أن قضايا واضحة يتم عرضها على قاضي التحقيق، فيما أخرى معقدة تحال مباشرة على الجلسة العلنية. ولم تخف المصادر نفسها ابتعاد الاجتهاد القضائي لدى النيابة العامة عن السياسة الجنائية الجديدة، سيما ما تعلق منها باعتقال الترشيد، إذ أن الغلو في الاعتقال مازال قائما مع ضرب مبدأ الضمانات عرض الحائط، فالنيابة العامة أمرت في العديد من القضايا بالاعتقال في قضايا أطرافها موظفون عموميون أو متوفرون على ضمانات قوية تجيز متابعتهم في حالة سراح، ومع ذلك يزج بهم في الحراسة النظرية بناء على أوامر النيابة العامة أثناء البحث التمهيدي الذي تجريه الضابطة القضائية، وأيضا بعد التقديم.
تنضاف إلى هذه الأمور مسألة أخرى متعلقة بالقرب، فمدينة المحمدية التي تعتبر عمالة تقع في نفوذ ولاية الدار البيضاء، تتمتع بمحكمة ابتدائية مستقلة تضم جميع الشعب(جنحي ومدني وأسرة وسير)، توفر القرب للمتقاضين، فيما متقاضو باقي عمالات مقاطعات الدار البيضاء الشاسعة، ملزمون بالتوجه إلى محكمة عين السبع في القضايا الجنحية، ومحكمة آنفا في القضايا المدنية والنفقة ومحكمة الفداء درب السلطان في قضايا التطليق والإذن بالزواج وعموم قضايا الأسرة، مع ما تعرفه المدينة من اكتظاظ وبعد كل محكمة عن الأخرى، وما يخلفه ذلك من معاناة إضافية للمحامين والمتقاضين.
المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق