fbpx
ملف عـــــــدالة

قضاة التحقيق وإشكالية تطبيق القانون

ملفات بين التحقيق السريع وزحف السلحفاة والغرفة الجنحية غائبة عن دور المراقبة

«كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، يفسر الشك لفائدة المتهم”.
قاعدة قانونية تنص عليها المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية، التي تعتبر المشتبه به بريئا إلى أن تثبت إدانته، وهي مبدأ أساسي في مجال حقوق الإنسان وتوفير ظروف المحاكمة العادلة، فلكل شخص الحق في الحصول على محاكمة عادلة، بدءا بالبحث مرورا بالتحقيق ثم المحاكمة.
في المغرب هناك ترسانة قانونية مهمة ينقصها التطبيق المحكم والسليم، ما يؤدي في غيابه إلى تعسفات جمة في قضايا عدة.
التحقيق في مجموعة من القضايا يعرف نوعا من التعسف في تطبيق القانون، إذ أن قضاء التحقيق في المغرب لا يخرج في حالات معينة عن نسخ محاضر الضابطة القضائية، إذ ليس هناك تحقيق فعلي في تلك القضايا، فمجرياته لا تتجاوز مكتب قاضي التحقيق، تلك الغرفة التي تشهد خبايا عنصر مهم من عناصر المحاكمة العادلة ولا تتم مغادرها إلا في حالات معينة لا تتعدى مسألة الانتدابات التي يطبقها قاضي التحقيق في بعض القضايا.
والمشرع المغربي اعتبر التحقيق عنصرا من عناصر المحاكمة العادلة، فجعله إلزاميا في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة، وفي الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث، وفي الجنح بنص خاص في القانون.
ويكون اختيارياً في ما عدا ذلك من الجنايات وفي الجنح المرتكبة من طرف الأحداث، وفي الجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها خمس سنوات أو أكثر، ويجري التحقيق بناء على ملتمس من النيابة العامة، ولو كان قاضي التحقيق يقوم بالمهام المخولة إليه في حالة التلبس.
يمكن تقديم هذا الملتمس ضد شخص معين أو مجهول، كما يحق لقاضي التحقيق توجيه التهمة لأي شخص بصفته فاعلا أصليا أو مساهما أو مشاركا في الوقائع المعروضة عليه بناء على ملتمس النيابة العامة، وإذا علم قاضي التحقيق بوقائع لم يشر إليها في ملتمس إجراء التحقيق، تعين عليه أن يرفع حالا إلى النيابة العامة الشكايات والمحاضر المتعلقة بها، كما يقوم قاضي التحقيق بجميع إجراءات التحقيق التي يراها صالحة للكشف عن الحقيقة، وإذا تعذر عليه أن يقوم شخصياً ببعض إجراءات التحقيق، جاز له بصفة استثنائية أن يكلف بإنابة قضائية ضباطا للشرطة القضائية لتنفيذ هذه الإجراءات.
قواعد قانونية جميلة تفتقر إلى التطبيق السليم، ففي غالبية الملفات التي عرضت على التحقيق، لا يتم تطبيق تلك الترسانة القانونية  للبحث عن الحقيقة، ولا يأخذ قاضي التحقيق بملتمسات دفاع المتهمين إلا نادرا. ويرجع المتتبعون ذلك إلى أنه يكون مضغوطا بالوقت وكثرة القضايا المعروضة عليه، على اعتبار أن هناك قضاة تحقيق دون غيرهم يتم إسناد التحقيق في القضايا الكبرى إليهم، ما يؤثر على السير العادي للمحاكمة، فلا يعقل أن ينظر قاضي التحقيق في ملفات تزيد عن العشرات في وقت واحد، تتضمن مئات محاضر للشرطة القضائية وعشرات المتابعين يصلون في ملفات معينة إلى أزيد من المائة، إذ أنه بعملية حسابية بسيطة وتقسيم ساعات العمل على تلك الملفات والمتهمين يتطلب من قاضي التحقيق العمل بسرعة قياسية تؤثر لا محالة على شروط المحاكمة العادلة بإغفال عناصر مهمة.
في المقابل، هناك ملفات رهينة “الثلاجة” كما يصطلح عليها  يتم استعمالها عند الحاجة، فكم  من ملف موضوع تحقيق لم يتم البت فيه، رغم أن القانون يحدد المدة الزمنية التي على قاضي احترامها تحت طائلة بطلان إجراءاته،  ويبقى داخل رفوف مكتبه وتبقى معه مصالح أشخاص مقيدة ومعطلة بسبب إجراءات قانونية، اتخذت في حقهم.
بين السرعة والبطء يتيه المتتبع لقضاء التحقيق في المغرب الذي لا يخرج عن إعادة نسخ محاضر الشرطة القضائية، في قرارات إحالة تتضمن مئات الصفحات، قد يتبادر للذهن أنها تتضمن عملا قضائيا مميزا وبتصفحها تجدها مجرد نسخة طبق الأصل لمحاضر الشرطة، تضاف إليها تعابير من قبل “وحيث أن المتهم أنكر….. وحيث يتبين من خلال ماهو مدون في المحاضر….. وأن إنكاره محاولة لإبعاد التهمة أو الشبهة عنه…..”، وغيرها من التعابير التي تسير في اتجاه الإدانة.
ويرى المتتبعون أن هناك غياب حقيقي في تفعيل دور الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف، في مراقبة عمل قضاة التحقيق كما ينص على ذلك القانون، الذي يفيد أنه يتحقق رئيس الغرفة الجنحية أو من ينوب عنه من حسن سير مكاتب التحقيق التابعة لنفوذ محكمة الاستئناف، ويعمل على ألا تتأثر المسطرة بأي تأخير غير مبرر، وتعد  مكاتب التحقيق كل ثلاثة أشهر لائحة بجميع القضايا الرائجة مع الإشارة إلى تاريخ تنفيذ آخر إجراء من إجراءات التحقيق، وتوجه اللوائح كل ثلاثة أشهر إلى رئيس الغرفة الجنحية وإلى الوكيل العام للملك، ويشار في لائحة خاصة إلى القضايا المتعلقة بالمتهمين المعتقلين احتياطياً. ولا يقف عمل رئيس الغرفة الجنحية عند هذا الحد بل إنه يقوم هو أو من ينوب عنه بزيارة المؤسسات السجنية التابعة لنفوذ محكمة الاستئناف مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل، ويتحقق من حالة المتهمين الموجودين في حالة اعتقال احتياطي، ويمكنه أن يطلب من قاضي التحقيق جميع البيانات اللازمة، إذا ظهر له أن الاعتقال لا مبرر له،  كما يوجه التوصيات اللازمة، ويضع رئيس الغرفة الجنحية أو من ينوب عنه تقريراً سنوياً عن سير أعمال غرف التحقيق التابعة لنفوذ محكمة الاستئناف ويوجه نسخة منه إلى الوكيل العام للملك.
إن التحقيق الإعدادي مرحلة تتوسط البحث التمهيدي الذي تباشره الشرطة القضائية والتحقيق النهائي الذي تباشره المحكمة في الجلسة، وحسب رأي الفقه والقضاء تعد هذه المرحلة دعامة أساسية لحقوق الإنسان وركيزة مهمة في تحقيق المحاكمة العادلة.
ويعد التحقيق الإعدادي كذلك مجموعة من التحريات تستهدف استكمال المعلومات وجمع الحجج التي تكون في صالح المتابع أو ضده من طرف سلطة قضائية مختصة يحق لها في نهاية الأمر أن تقرر ما إذا كان مناسبا أو غير مناسب إحالة القضية على المحكمة، وعليه فإن قاضي التحقيق له مهمة مزدوجة تتمثل من جهة في جمع الأدلة المتعلقة بالجريمة التي توبع من أجلها الظنين أو المتهم، ومن جهة ثانية في تقدير قيمة تلك الأدلة لمعرفة ما إذا كانت كافية أو غير كافية للاستمرار في المتابعة أم لا.
سلطة قوية مخولة لقضاة التحقيق لتحقيق المحاكمة العادلة في أحسن صورها، لكن الواقع يفيد بغير ذلك.

كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى