fbpx
مجتمع

زيارة مفاجئة: أطفال “الورقة”…عبيد “البخاري”

يشتغلون “عطشا” في إعداد أطنان من “ورقة البخار” ويتقاضون أجورا زهيدة

يتصبب الطفل ذو الـ12 سنة عرقا، ويستمر دون انقطاع في ضرب الإناء النحاسي الدائري بقطعة عجين لزجة، ليشكل دوائر ورقية بأحجام مختلفة، ثم لا يلبث أن يقتلعها بيده اليسرى ويضعها فوق دوائر أخرى يفصل بينها بطبقة زيت.
لا يكترث الطفل إلى الزبناء الذين يغطون باب المحل الضيق، لطلب حصتهم من أوراق عجين دقيقة (الورقة) تستعمل في إعداد أطباق “بسطيلة” و”السيكار” و”البريوات” و”كعب لغزال” وأنواع من الحلويات “الشهيوات” الأخرى التي يكثر عليها الطلب في رمــــــــــضان.
في لحظة، بدا الطفل الذي يرتدي وزرة بيضاء اتسخت جنباتها وشعر أشعت وعينان نصف نائمتين، منقطعا عن العالم الخارجي، يؤدي حركاته بشكل ميكانيكي وكذلك يفعل ثلاثة من أقرانه يقفون بجانبه، ولا  ينقطعون عن حركاتهم المنتظمة (ضرب الإناء النحاسي بقطعة عجين باليمنى وحمل الورقة المستوية باليسرى) إلا لجلب مزيد من العجين اللزج واستئناف دورة كدح لا أحد يعلم متى تبدأ وأين تنتهي.
وسط المحل، الذي يفيض أواني عجين وقارورات بوطاغار  من الحجم الكبير، وأكياس دقيق وقارورات زيت وماء، وكثير من الأوساخ، اصطفت، على نحو دائري، عدد براميل متوسطة ملئت بماء مغلى، ووضعت فوقها أوان نحاسية دائرية، تستعمل في صنع الــــورقة.
وقال صاحب محل إن هذه البراميل الصغيرة المغطاة بأوان نحاسية تستعمل في إعداد “ورقة البخار”، التي تعد الأكثر طلبا لدى ربات البيوت خلال رمضان، رغم سعرها المختلف عن الورقة العادية، وذلك بسهولة التحكم فيها وقابليتها للطي حسب الأشكال المختلفة، وانسجامها مع جميع الأطباق والوجبات المرغوب فيها.
وأكد أن إعداد هذه الورقة يتطلب خبرة عالية وصنعة ودربة من الصغر لا يجيدها إلا أهل دمنات، إذ يفد عدد من القاصرين والأطفال، قبل رمضان، للاشتغال في بعض محلات “الورقة” بالبيضاء، بعضهم يقبل بشروط عمل وضيعة أقرب إلى العبودية، وآخرون يشترطون أجرا محترما، وسكنا ووجبات غذائية صحية (على حساب صاحب المحل)، وأوقاتا للراحة والنوم..
أغلبهم قاصرون ما بين 12 و16 سنة، تقاذفتهم الحافلات وسيارات الأجرة من أبعد نقطة من الدواوير المترامية لدمنات إلى المدينة الميلونية التي تختزل في وزرة بيضاء تُسلم لهم فور وصولهم إلى محلاتهم الضيقة، وعجين لزج، وأوان مختلفة لصنع الورقة، وأجر يسلم عشية العيد، حيث يشدون الرحال إلى مسقط رأسهم، وإلى رمضان مقبل.
أغلب أطفال “الورقة” هم أقرباء لأشخاص من دمنات، سبق أن زاروا المدينة واشتغلوا في محلاتها وحملوا معهم، فور عودتهم إلى دواويرهم، قدرا من المال وكانوا يرتدون ملابس جديدة، بل يستطيعون أن يعيلوا أسرهم الفقيرة لعدة شهور.
العرض مغر، لذلك لا يترددون في ركوب المغامرة التي لا تعني دائما أجرا سمينا في نهاية رمضان، بل معاناة يومية، أقرب إلى العبودية تتفاوت، حسب أريحية صاحب المحل، أو شرهه.
يوسف الساكت

   ثلاث صيغ مجحفة للعمل

يقول أحد العارفين بتجارة الورقة بالبيضاء، إن الجزء الأساسي والمهم من هذه الحرفة يتحمله الأطفال والقاصرون، الذين يوكل إليهم إنتاج كميات كبيرة من الوريقات الصغيرة، التي توضع فوق بعض وتباع بالكيلوغرام، مؤكدا أن هناك ثلاث صيغ لاشتغال هؤلاء العاملين الصغار:
إما عن طريق كمية الإنتاج، أي الأداء بحسب الكيلوغرامات المنتجة يوميا من الورقة (بين 4 و5 دراهم للكيلوغرام)، أو عن طريق كمية الدقيق المعجون (كيس بوزن 10 كليوغرامات من الدقيق بأجر ما بين 50 درهما و60)، أو الأجر الشهري، وقليلا ما يعمل به في عدد من محلات البيضاء.
لتوفير أكبر عدد ممكن من الدراهم يوميا، يجهد الأطفال أنفسهم في عمل مضن يواصل الليل بالنهار دون انقطاع لإنتاج أكثر كمية ممكنة من الورقة، أو استهلاك أكبر قدر من أكياس الدقيق، علما أن عجن الدقيق وتسويته يدخل ضمن هذه المهام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى