fbpx
بانوراما

المغاربة في أوراق أول رئيس جزائري … بن بلة: والداي مغربيان

المغاربة في أوراق أول رئيس جزائري

بن بلة “المراكشي” ترأس فيلقا مغربيا في إيطاليا وربط علاقة صداقة مع محمد الخامس

مات أحمد بن بلة، أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، في 11 أبريل 2012، وفي حلقه غصة حكي لم يكتمل عن تاريخ ووقائع وأحداث كان صانعها وشاهدها و”شهيدها” على مدى 70 سنة.

رحل وطويت معه حقائق تجنب الحديث عنها طيلة حياته، منها علاقتـه المتفردة والخالصة بالشعب المغربي وملكيه الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.
في مذكراته وأوراقه وحواراته الصحافية وكتاباته وبوحه، ظل للمغاربة حضور قوي في سيرة حكيم الجزائر، وحرص على سرد علاقاته الوطيدة به منذ صغره، إذ تربى في كنف أسرة هاجرت من مراكش واستقرت في قرية تابعة لمغنية، القريبة من الحدود المغربية، وصادف أن خاض أول حرب حقيقية له إلى جانب جنود مغاربة قاسمهم الخبز والدموع في جبال نابولي، وحين انتهت “حملة إيطاليا” لم يعد إلى الجزائر، بل عاد إلى وجدة، حيث استقر لشهور.

إعداد: يوسف الساكت

ولد أحمد بن بلة في 25 دجنبر 1917  بمدينة مغنية، القرية الصغيرة بجهة وهران القريبة جدا من الحدود المغربية. كان والده، المتحدر من أصول مغربية مراكشية كما أمه، فلاحا يملك أرضا صغيرة مساحتها ثلاثون هكتارا على بعد 30 كيلومترا من مغنية، لكن الأرض كانت فقيرة وليس بها ماء، وكان أبوه يحصل على موارد عيش بسيطة متحصلة من ممارسة تجارة بسيطة بالمدينة نفسها.
لأحمد بن بلة أربعة أخوة. عمر، الأخ الأكبر، الذي شارك في الحرب العالمية الأولى بكتيبة المدفعية الجرائرية وأصيب بجروح خطيرة في الجبهة، وأعيد لأرض الوطن ومات في تلمسان متأثرا بإصاباته البالغة. والثاني اسمه عبد القادر، لكنه كان يناديه تحببا “قويدر” مات مرضا بمغنية. والثالث يدعى رحال كان يعمل بشمال فرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية وهناك تزوج، لكن في 1940 اختفى، ولم يجد البحث عنه نفعا وأغلب الظن أنه قتل خلال الهجرة الجماعية أثناء الحرب.

ثم الأخ الرابع ويدعى وسيني، سمي كذلك تيمنا بولي من أولياء جهة مغنية سيدي محمد وسيني. وفي 1939، دعي للخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، وفيه أصيب بالشلل ومات في السنة نفسها، وهي السنة أيضا التي توفي فيها والده في مغنية أيضا.
بعد ذلك، بقي أحمد الوحيد الذكر في أسرته، وكانت له شقيقتان أصغرهما هبة تزوجت من إمام اسمه الشيخ ميمون، وعندما التحق بالنضال السري اعتقله البوليس الفرنسي ورماه في السجن، حيث قضى 14 سنة.

والدته التي توفيت لاحقا كانت عجوزا حين كان بن بلة يبلغ من العمر 46 سنة، لكن لم تكن تعرف أبدا سنتها والسنة التي ولدت فيها. وعندما زارته مرة، وكان رئيس دولة، طلب منها تذكر السنة التي ولدت فيها، فأجابت “اسمع يا ابني، أعتقد أن عمري كان 11 سنة عندما مات مولاي الحسن الأول، جد محمد الخامس”. وعلق بن بلة أنه بما أن مغنية توجد على مرمى بصر من الحدود المغربية، فإن كل ما يقع في المغرب كان يجد في نفوس العائلات الموجودة بهذه المدينة رجع صدى كبيرا.
في مغنية، لم يشعر بن بلة، كما هو الحال بالنسبة إلى تلمسان التي انتقل إليها، بالفرق بين الفرنسيين والجزائريين. كان الأوربيون حفنة من الكولون (الاسم الذي يطلق على المعمرين) في أكثريتهم. وكان هناك كثير من الإسرائيليين. والمجموعات الثلاث تتعايش في سلام. مثلا في مغنية كان اليهود والفرنسيون والجزائريون يشكلون فرقة واحدة لكرة القدم، والتلازم المستمر داخل هذه الفرقة الوحيدة دعم الكثير من الصداقات في صفوفهم.

في مدرسة مغنية، لم يكن هناك أي تمييز عنصري. ويحكي بن بلة “مازلت أحتفظ بذكرى طيبة للمدرستين اللتين علمتاني القراءة والكتابة بالفرنسية. كانتا امرأتين جديرتين بالإعجاب وكانتا تعيشان فقط لمهنة التدريس. إحداهما كانت من أصل كورسيكي وتدعى أنتوني، وهما معا فضلتا البقاء في وهران بعد الاستقلال.
عندما آن أوان الشهادة الابتدائية، اضطر والد بن بلة لتزوير بطاقة ولادته وأن يزيد له في عمره عامين، نظرا لأنه كان صغيرا جدا للتقدم لهذه الشهادة. وفي قريتهم لم يكن تزويرا من هذا النوع يطرح أي إشكال، علما أن تغيير تاريخ ولادته كان له نتائج بعيدة، إذ دعي إلى الخدمة العسكرية في 1937، بدل 1939.

بعد فترة الدراسة الإعدادية والثانوية التي قضاها بعيدا عن مغنية والحدود المغربية في تلمسان، قرر أحمد بن بلة الاتصال بالأوساط الوطنية، إذ كان الاتحاد الوطني للمسلمين بشمال إفريقيا (أصبح في 1937 حزب الشعب الجزائري) تأسس حديثا، وجذب الجزائريين المصممين على عدم قبول الواقع الاستعماري ضرورة أملتها الطبيعة، ومن بين هؤلاء عبد القادر بركة الذي لقنه دروس الوطنية الأولى.

الحلقة المقبلة: بركة علمني النضال والوطنية الحقيقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق