إغلاق المنافذ والمعابر بالخنادق والسياجات يقطع صلات الرحم والأرزاق على مغاربة وجزائريين يحيون من التهريب المعيشي الأعصاب على أشدها، منذ أكثر من شهر، في الشريط الحدودي الممتد من السعيدية شمالا إلى تخوم فكيك جنوبا، كما عيون العسس والحراس والمخبرين، من الجهتين، الذين يسجلون كل شاذة وفاذة عن التحركات المريبة قرب السياجات والخندق لمنع عمليات التسلل غير المسمـوح بها، وهي مهمة شاقة وعسيرة في مجال بنى تاريخه وهويته وأشكاله الإنسانية والاجتماعية والمعيشية على مد وجزر "التسلل"، وهميا كان، أو حقيقيا. «الصباح» زارت الحدود، أقصى الحدود، ووصلت نقاط تماس، ونقلت صور «شعب واحد» قطعت الأسلاك والجرافات والخنادق أوصاله وأرحامه وأرزاقه نصفين. يلوح الرجل الستيني من فوق الربوة، وتتراءى من بعيد يدان ملوحتان من فوق سطح منزل من الجهة المقابلة. يتبادل الرجل والمرأة قبلا في الهواء وإشارات ورموزا وتحيات للأهل والأحباب والأقارب "كل واحد باسمه". وقبل أن يتوادعا، يلقيان لبعضهما "رسائل ميمية" تتسلل خفية بين هدير "الطراكسات" الضخمة التي تحفر عميقا في "الخندق"، تحرسها فوهات البنادق والرشاشات والنياشين. ״محاولة عيش״ قبل أربعين يوما، كان الرجل الستيني يستطيع أن يقطع ثلاثة كيلومترات في طريق غير معبدة متاخمة للشريط الحدودي بين المغرب والجزائر، ثم يترجل ويربط دراجته النارية إلى أسلاك السياح الحديدي، ويسير خطوات، ثم يقفز فوق حفرة صغيرة إلى الجهة المقابلة. ومشيا، يصل إلى البيت الواطئ المطلي بالجير، حيث تقطن خالة زوجته وابنها المعاق ذهنيا ذو ثلاثة عقود. اعتاد ميمون حمادي (اسم مستعار)، خلال سنوات، حمل قفف من الخضار والفواكه، وأكياس عدس وفول وفاصوليا ودقيق وسكر، وملابس ومواد تصبين إلى قريبته الأرملة التي تعيش مع ابنها، بعد وفاة زوجها في حادثة سير بمغنية. كان يقضي معهما نصف يوم في الأسبوع، يعينهما على تدبير "محاولة عيش" صعب، ثم يعود أدراجه، إلى الجهة الأخرى. يمتطي دراجته النارية التي ربطها إلى السياج الحديدي، ويقفل عائدا إلى قـــــريته. في العطل ونهاية بعض الأسابيع، كان ميمون يصحب زوجته وابنته ذات سبع سنوات على متن دراجته، ويعبرون، فرحين، إلى الجهة الأخرى لزيارة الخالة، وقال لي إنه يعجز عن وصف السعادة التي تحس بها الأرملة وابنها المعاق، حين يستقبلان ضيوفهما من المغرب في عتبة الباب، أو حين يجتمعون على مائدة العشاء، أو تُقدم لهم بعض الأكلات والحلويات الشعبية الجزائرية التي تعدها بنفسها في فرن البيت، مثل "الزلابية" و"البقلاوة" و"سكسو" و"لحم مرحي" و"الظلمة". يصمت ميمون ويتطلع إلى الأفق، وتصل عيناه الربوة البعيدة، ويقول "أنظر، هناك خلف تلك المنازل الصغيرة، هل تراها؟ المنازل التي توجد فوق أسطحها صهاريج مياه بلاستيكية، خلفها بالضبط، يوجد بيت خالة زوجتي". يربت على كتفي، ويفرج عن ابتسامة يعقبها تنهيدة: "الله كبير أولدي. غدا سيكون أحسن، ونعاودو نزورو ديك لمرا مســكينة وولدها". مسيرة يوم فوق كل ربوة وعلى امتداد أكثر من 1500 كيلومتر من الحدود البرية المغربية الجزائرية، يوجد أمثال ميمون في جهة، وأمثال خالة زوجته في الجهة المقابلة، يكتفون، هذه الأيام، بالتلويح في الهواء وتبادل الرسائل، وفي أحسن الأحوال الحديث عبر شبكة الهاتف ومواقع التواصل وتطبيقات الدردشة، حتى إذا فكر أحدهم في زيارة قريبه، أو نسيبه، أو ابن عمه، أو خالته، أو ابنه من زوجته المطلقة، عليه أن يحجز تذكرة سفر إلى الدار البيضاء، ويصل إلى مطار محمد الخامس الدولي، ثم يحجز تذكرة ذهاب وإياب إلى العاصمة الجزائر، فتذكرة سفر جديدة إلى الحدود الجزائرية، حيث يوجد أقـــــــاربه. والعكس صحيح تماما في الجهة المقابلة، إذ يضطر بعض سكان الحدود الجزائرية، في حال الزيارات القاهرة، أن يقطعوا عشرات الكيلومترات من أجل الوصول إلى مطار الجزائر، ثم شراء تذاكر سفر عبر الطائرة تقلهم إلى مطار محمد الخامس، ومنه إلى المنطقة الشرقية عبر السيارات أو الحافلات أو القطار، وصولا إلى القرى المتاخمة للحدود، حيث يوجد أقاربهم الذين كانوا يصلون إليهم، قبل الخندق والسياج، بقطع حقل، أو حد رمزي، أو كتلة أحجار مرمية بين الدولتين "الشـــــــــــقيقتين". مسيرة يوم وليلة من أجل صلة رحم وعناق وحضن أسري، كانت تتحقق، قبل اليوم، بـ"نطة" إلى الجهة المقابلة..وانتهى الأمر. قحط و"مقاتلات" الساعة العاشرة ونصف صباحا. رياح قوية مصحوبة ببرد قارس تتقاذف سيارتنا الخفيفة وتدفعها بسرعة وسط الطريق المتآكل في اتجاه منحدرات "جبل راس عصـــــــفور" (25 كيلومترا من وجدة). خلف زجاج النافذة، تعبر مروج وحقول ومشاتل صغيرة خاصمتها السماء، وتتراءى من بعيد بيوتات صغيرة شبه مهجورة، نبتت حولها مجموعات مدارس ومقرات بلا عناوين، ومراكز مراقبة وصهاريج مياه، جافة أغلب الظن. جافة، لأن الطفلة الصغيرة، التي تركب حمارا يحمل دلاء سوداء فارغة مرت بمحاذاة واحدة منها، دون أن تعيرها أي اهــــــتمام. بدأ القحط هنا يرخي ندوبه على منطقة تعتبر فيها الزراعة وتربية المواشي نشاطا ثانويا، مقارنة مع التهريب المعيشي الذي يتعاطى له، مثل أفيون، أغلب رجال ونساء هذه القرى المترامية الأطــــراف. لذلك، تستشعر حدة الألم والتعب اللذين يسكنان القلوب ويضغطان على الصدور مثل قطع رخام، كلما تحدثوا عن إغلاق تام للحدود بأحزمة من السياجات الحديدية والخنادق الترابية، و"تلغيمها" بالبنادق والرشاشات ودوريات الأمن التي تجوب طرفي الشريط، بالنهار والليل، بسيارات "الجيب" وعربات رباعية الدفع وعلى صهوات الخيول. نواصل، ونغوص في الطريق المؤدية إلى منطقة تويسيت وسيدي بوبكر وتيولي/المهاية، الواقعة في منحدرات سلسلة جبلية صغيرة يحفها جبلا المحصر وراس عصفور، ونترك يمينا قرية واد الحيمر، الشهيرة سابقا بمسابك زليجة للرصاص، قبل أن تغلق أبوابها، قبل سنوات، ويرحل أطرها ومهندسوها، ويتركوا أهلها للنسيان والتهميش. يقول مرافقنا: إن عددا من القرى المتاخمة للحدود تعيش وضعا اجتماعيا بئيسا، بسبب انعدام مشاريع التنمية وغياب برامج تأهيل البنيات التحتية والبحث عن موارد أخرى للعيش والبحث عن فرص للاستثمار، توفر الشغل لمئات الشباب المخيرين بين "الحريك" إلى الضفة الأوربية، وبين الانخراط في تجارة التهريب المعيشي، أو نظام التبادل التجاري غير المراقب، الذي يعتبر موردا أساسيا للسكان في هذه المـــــــناطق. تضطر السيارة لخفض سرعتها أكثر من مرة وتسير بحذر جانب الطريق، لتفسح المجال لمرور أعداد من "المقاتلات" (الاسم يطلق على سيارات بموديلات قديمة ذات محركات قوية تستعمل في تهريب المحروقات والمواد الغذائية والملابس والأدوية والبشر أحيانا..)، تسير في الاتجاه المعاكس مثل ســـــــــهام. سائقو "المقاتلات" يعطون الانطباع، دائما، بأنهم خارج القانون، أو هاربون على نحو مستمر من دوريات الدرك والجمارك والجيش. وعلى الجميع، وفق هذا الانطباع، أن يخلي الطريق لمرورهم "الطائر"، خوفا من التورط في مشاكل مع أشخاص، تقول أساطير المهربين هنا، لا يهابون أحدا، ويضعون أرواحهم على أكفهم، وبعضهم يكتب عبارة "ذبحة أو ربحة" على الزجاج الخلفي لسياراتهم. وهم الجغرافيا الوصول إلى أقرب نقطة في الحدود يتطلب المرور، بالضرورة، من طريق جهة اليسار، في اتجاه دوار الغلاليس الواقع بقبيلة أولاد العباس، وهي جزء من أراضي أهل أنجاد الشهيرة التي بنيت فوقها مدينة وجدة. شعاب ومنخفضات دواري الغلاليس والفاقة (جماعة جبل عصفور)، المقابلين لقرية "روبان" الجزائرية (بني بوسعيد)، مزروعة بأعوان السلطة (مقدمين وشيوخ) الذين يذرعون بدراجاتهم النارية "المميزة" التلال والهضاب الصغيرة وصولا إلى السياجات الحديدية بحثا عن معلومة، أي معلومة، يعززون بها تقاريرهم الشفوية المرفوعة إلى رؤسائهم في الداخـــــــلية. الأعصاب على أشدها، منذ أكثر من شهر، في الشريط الحدود الممتد من السعيدية شمالا إلى تخوم فكيك جنوبا، كما عيون العسس والحراس والمخبرين، من الجهتين، الذين يسجلون كل شاذة وفاذة عن التحركات المريبة قرب السياجات والخندق لمنع عمليات التسلل غير المسمـــــــــــــــــوح بها، وهي مهمة شاقة وعسيرة في مجال بنى تاريخه وهويته وأشكاله الإنسانية والاجتماعية والمعيشية على مد وجزر "التسلل"، وهميا كان، أو حـــــــــــــــــقيقيا. لهذا السبب بالضبط، خرج سكان عدد من القبائل والقرى المجاورة للحدود بالضفة الأخرى، للاحتجاج والتنديد بمحاولات فرض واقع جغرافي مغاير على أهالي المنطقة، الذين تعودوا على التنقل بحرية في الجانبين، ويشكل التبادل التجاري والتهريب المعيشي والوساطة في حمل البضائع أهم مورد لهم. الجزائريون وصفوا الخندق بخندق الموت الذي سيجهز، كليا، على أرزاقهم ويجوع أبناءهم ويرميهم إلى المجهول في غياب بديل اقتصادي في المنطقة الحدودية يغنيهم عن تجارة التهريب المعيشي، ناهيك عن بعض التجاوزات التي سجلها فلاحون وأصحاب أراض، حيث تمر الجرافات والطراكسات من فوق حقولهم، وتدمر ممتلكاتهم وآبارهم وبيوتهم الصغيرة، وأحيانا مدارس ومرافق صحية ومقابر يخرج فيها "البلان" من أجل المصلحة الأمنية العليا. في الجانب المغربي، ترتفع حدة الاحتجاج في عدد من المناطق والمدن الحدودية، خصوصا في فكيك، حيث تتواصل حملة توقيع العرائض من قبل سكان مقيمين في المغرب، أو مهاجرين إلى دول أوربية، للتنديد بمحاصرة المنطقة بعدد من السياجات والخنادق وحرمان المواطنين والفلاحين والرعاة من حقهم في الحركة والتجوال بحرية. توسيع الموسع منذ نهاية السنة الماضية،، تنزل القوات العسكرية الجزائرية، بكل ثقلها وعتادها وآلاتها الضخمة، في الجانب الآخر من الحدود لاستكمال أشغال توسيع الخندق الترابي الممتد من مدينة "مرسى بن مهيدي" الحدودية إلى تخوم ولاية النعامة على طول 170 كيلومترا، وهو الخندق الذي سبق للجزائر أن انتهت من حفره في 2013، بعمق ستة أمتار وعرض لا يتجاوز ثلاثة أمتار، وذلك إمعانا في خنق الحركة بين البلدين. "المهمة" تقتضي عملا جبارا يواصل الليل بالنهار وأيام العطل والاستراحات لاستكمال أضلع الحصار على سكان المنطقتين، عبر حفر المحفور وتوسيع الموسع، بكثير من الإصرار على تلغيم الشريط بخندق يصل عرضه إلى سبعة أمتار وعمق بـأكثر من 11 مــــــــــــــــــترا. الأخبار الرسمية الآتية من هناك، تقول إن توسيع الخندق الترابي من جهة الجزائر كفيل بوقف زحف عشرات المهربين الذين يعبرون الحدود، ووضع حد لمافيات الهجرة غير الشرعية وعصابات تهريب المواد الممنوعة والمحروقات والتصدي إلى المجموعات المتطرفة التي كانت تتجول في المنطقة بحرية، حسب الأخبار نفسها. لكن، متشددين في المؤسسة العسكرية، يذهبون أبعد من ذلك، حين يروجون، في صحف مقربة، أن تعميق الخندق وتعريضه سبعة أمتار، قرار سيادي من أعلى مستويات الدولة لإحباط مخططات إغراق الجزائر بالمخدرات الآتية من المغرب عبر "منافذ" في السياج الحديدي، مع التلميح، طبعا، بتواطؤ "جنود" من الطرفين في عمليات التهريب، مقابل عمولات. ذريعة "الحشيش المغربي" العابر للحدود، كان لا بد أن "تدرح" بكثير من التوابل لإقناع الرأي العام الجزائري، عبر تدبيج كم هائل من الأخبار والمقالات عن إحباط محاولات للتهريب على الحدود، أو اعتراض حمولة في الطريق آتية من الحدود الغربية، أو اعتقال مغاربة "متلبسين". وحين يستشعر "جنرالات" حرس الحدود أن جزءا من الجزائريين لم تنطل عليه اللعبة، أعطوا أوامرهم بـ"طرطقة" الذخيرة الحية في صدور ورؤوس المغاربة، الذين يحملون على جباههم، حسب هذا المنطق، شبهة تهريب المخدرات...إلى أن يثبت العكس. لكن حكاية "المخدرات" ومواجهتها بتوسيع الخندق وضرب حصار عسكري جوي وبري على الحدود، لا تصمد أمام حقائق أخرى، أكثر خطرا على الدولتين وأمنهما الاستراتيجي، وبسببها قرر المغرب، ذات تفكير عميق نهاية 2013، بالشروع في بناء سياح حديدي مزود بآليات للاستشعار الإلكتروني، لوقف زحف الجماعات المتطرفة المتشبعة بالفكر الإرهابي وعصابات الهجرة غير المشروعة وتهريب البشر. وحسب تقارير دولية محايدة، نجحت السياجات الحديدية، التي انتهى العمل فيها قبل شهور بطول 150 كيلومترا، في إحباط مخططات الاختراق الإرهابي وحماية أمن الحدود من الجانبين، وبالتالي، لم يكن هناك من داع إلى تفقد خندق مهجور من أجل توسيعه، وخلق حالة من التوتر العسكري المجاني في الشريط، خارج منطق "العناد" وسياسة شد الحبل مع المغرب التي تستلذ بها المجموعة المتحكمة في القرار الجزائري. مهما يكن، فإن القرار السياسي بإغلاق حدود الجارتين في 1994 بعد أحداث أطلس إسني الإرهابية بمراكش، لم يكن يوما ناجعا وحاسما وصارما، كما يجري هذه الأيام، إذ تتأهب القوات العسكرية من الجانبين، وعلى امتداد كيلومترات، لاعتقال "ناموسة" إذا "فكرت" في عبور الحدود. حدود ثالثة الساعة تقترب من منتصف النهار. نصل إلى أقرب نقطة تفصل بين دوار الغلاليس وقرية روبان الجزائرية، حيث تظهر بالعين المجردة منازل صغيرة حديثة البناء بطابقين، تعلوها صهاريج مائية بلاستكية، كما يظهر رجال ونساء جزائريون يقومون بأشغال زراعة بسيطة، أو يتنقلون على متن عربات تجرها دواب، وأمام عتبة منزل يلعب أطفال بقطع أحجار. تتوقف السيارة على مشارف تل ترابي في منطقة مكشوفة لرادارات العسكر من الجانبين، حيث توجد فوق كل ربوة بناية، تحمل علم أحد البلدين، تعلوها أسلاك طويلة، قال مرافقنا إنها أسلاك أجهزة الالتقاط اللاسكي وأبراج مراقبة ومنظارات وكاميرات متطورة ترصد دبيب النمل في هذه المنطقة الحساسة. نترجل، فيلفح وجوهنا برد يناير القارس ونلف أعناقنا بياقات معاطفنا ونشد الأزرار ونتقدم لنصل إلى أقرب نقطة "تماس" ممكنة. في منطقة شبه عسكرية، كان علينا أن نسير بحذر على بعد مترين من السياج الحديدي الذي ترابط بجانبه سيارة "جيب" بألوان الجيش المغربي، بينما تسمع حوافر حصانين تابعين لحرس الحدود يمران بمحاذاة الحاجز تظهر قوائمهما من تحت شجيرات الزيتون. الرجل فارع الطول بشنب كث ومعطف طويل يتصلب في مكانه قرب ورش بناء، بينما نتقدم نحوه. نلقي عليه التحية، ونبادره بطلب لترات من الكازوال، مدعين أن وقود السيارة يقترب من النفاد وعلينا أن نقطع مسافة 25 كيلومترا في طريق العودة إلى وجدة. يقسم الرجل بأغلظ إيمانه، بأنه لا يملك نقطة محروقات، ويعتذر بأدب جم على عدم تلبيته طلبنا، ثم يدعونا إلى كأس شاي داخل منزله. نعتذر، ونستغل الفرصة لنسأله عن سبب النقص الملاحظ في المحروقات المهربة من الجزائر. -"ها انت كاتشوف هاد الشي..القضية واقفة"، ثم يشير لنا إلى الضفة الأخرى، حيث مازالت الجرافات والطراكسات تغرز أذرعها العملاقة في التراب، ثم ترفعها، وترمي حمولتها في الجهة الأخرى لتتشكل تلال كبيرة من الأتربة أصبحت "حدودا ثالثة" حجبت الرؤيا أكثر على الـــــواجهتين. قال مضيفنا إن أشغال الحفر والتوسيع متواصلة في هذه المنطقة منذ ثلاثة أسابيع دون انقطاع، تحت مراقبة العسكر الجزائري، مؤكدا أن لجان تفتيش ومسؤولين من رتب عسكرية مختلفة، من الحرس والدرك الحدودين التابعين للجيش الوطني الشعبي الجزائري، يوجدون بالمنطقة لمراقبة الأشغال، ويضربون حصارا على جميع المنافذ والممرات والطرق التي كانت تمر منها السلع المهربة من الطــــــرفين. جزائريون وهاتف مغربي يتقدم الرجل خطوتين إلى الأمام، ثم يتوقف قائلا: في هذه النقطة كان جمع غفير من المهربين المغاربة يقفون في طوابير طويلة من أجل إيصال سلعهم وبضائعهم إلى الضفة الأخرى، أو ينتظرون البضائع والسلع القادمة من الجزائر، خصوصا المواد الغذائية والمحروقات التي تحمل من هذه النقطة ونقاط أخرى مختلفة على متن "المقاتلات" لنقلها إلى مختلف المدن والقرى المغربية في الجهة الشرقية دون استثناء. يتقدم أكثر فوق تل ترابي، ويقف فوق حجر كبير، ثم يشير بيده إلى منزل بعيد في الجهة المقابلة، وقال "المنزل المطلي بصباغة حمراء، هو منزل ابن عمي، لا نستطيع منذ أيام أن نزور بعضنا بسبب الحصار المضروب على المنافذ والمعابر السابقة، لكن نستطيع أن نتحدث في الهاتف المحـــــــــــمول". ضحك واستطرد: " ماعندناش مشكل في التلفون، الريزو ديال المغرب واصل حتى تما عندهم، وهما كاملين تقريبا كيخدمو غير في التلفون ديال المغرب". نسأله عن بعض التجاوزات التي تقع في الشريط الحدودي، حين تخلتط، أحيانا، بضائع التهريب المعيشي بجرائم تهريب السلاح والمتطرفين والمهاجرين، أو حين تختلط رائحة الوقود والمحروقات برائحة الحشيش والقرقوبي، وبالتالي يكون ذلك مبررا لإغلاقها. ينتفض الرجل مقاطعا: "شوف ابن عمي، هاد شي ما كاينش منو والو، وإلا كان حنا وخوتنا الجزائريين لي غادي نتصداو ليه ماشي المخزن"، ثم أضاف بالنبرة الغاضبة نفسها "الناس كترزق الله، وما عندها غراض في حتى حاجة، والمغاربة ودزاير كيعرفو يدافعو على بلادهم ومستعدين يدافعو على الحدود ديالهم، بلا ما يكولها ليهم حتى واحد". حنين و"سيلفي" نودع مرافقنا ونقفل عائدين إلى وجدة. "تنزلق" السيارة في طريق معبد حديث، وتسير في اتجاه الريح التي يحملها إلى طريق جانبي آخر يمر بمحاذاة مقبرة وسوق أسبوعي، ومنه إلى المنطقة الحدودية. نعبر قنطرة صغيرة فوق سكة حديدية مهجورة كانت أول "سكة مفتوحة" تصل وهران، ثم تعود إلى وجدة، دون حرس، أو مراكز مراقبة وتفتيش. من بعيد، يلوح مركز "جوج بغال" المغربي، أو مركز العقيد لطفي الجزائري: وجهان لحدود واحدة، أغلقتهما "السياسة" قبل 22 سنة، و"يفتحهما"، يوميا، عشرات المواطنين من الطرفين، يلتقطون قربهما صورا، للذكرى والتاريخ وحسن الجوار وقرابة الدم والأخوة، بطريقة "سيلفي"..ثم ينســــحبون. يوسف الساكت