اذاعة وتلفزيون

“الديراباج” بين التقنين والرقابة

ضرورة فتح نقاش حول التنشيط الإذاعي حتى لا تتحول بعض البرامج التفاعلية المباشرة إلى “تيليبوتيك”

طرحت مجموعة من مظاهر “الديراباج” في الإعلام السمعي البصري أخيرا، قضية الحرية من جهة والتقنين من جهة أخرى.
وتتميز مظاهر “الديراباج” تلك بالعمد في حالات وغياب القصد في حالات أخرى، إلا أنها تكون دائما محور حديث بين المواطنين وموضوع نقاش ساخن على صفحات الجرائد والمجلات وقضية للتداول داخل المؤسسة المعنية بتقنين المجال السمعي البصري في البلاد. وتؤكد الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري في كل القرارات التي تصدرها والمتعلقة بتقنين مضامين البرامج الإذاعية والتلفزية، على حرية الاتصال السمعي البصري، كمبدأ أساسي في كل عملية تقنينية، قبل أن تؤطر هذه الحرية بمجموعة من الضوابط القانونية مثل ضرورة احترام الكرامة الإنسانية وعدم التشجيع على العنف واحترام الأخلاق العامة، وعدم المساس بالثوابت، الدين والوحدة الترابية والنظام الملكي.وفي السياق ذاته، تؤكد الهيأة على ضرورة ترجمة هذه الحرية كمبدأ عام إلى واقع عملي من خلال تحمل الإذاعة أو القناة التلفزيونية كامل المسؤولية في محتوى البرامج التي تقدمها، فهي صاحبة الحل والعقد في كل ما تبثه من اختيارات تحريرية دون سلطة أو تدخل “قبلي” من طرف أي كان، بما فيها الهاكا نفسها التي لا تمارس إلا مراقبة “بعدية” أي بعد البث، وهنا تكمن الحدود الجوهرية الفاصلة بين مفهومي الرقابة والتقنين.

وتضمنت دفاتر تحملات المتعهدين العموميين والخواص بعض البنود لتؤطر مسؤولية الإذاعة أو القناة التلفزية بخصوص ما تبثه، إذ تراقب، بشكل مسبق وقبل البث، كل البرامج المسجلة أو أجزاء منها.
وفيما يخص البرامج المباشرة والتفاعلية، يخبر مدير البث مقدمي البرامج أو الصحفيين، وكذا المسؤولين عن الإخراج والبث بالتدابير الواجب اتخاذها لضمان “التحكم في البث”، وهو القاسم المشترك بين كل العقوبات التي أصدرتها الهاكا بهذا الخصوص.
ويعتبر “التحكم في البث” الكلمة/ المفتاح التي جاءت بها دفاتر التحملات لتكريس مسؤولية المتعهد في كل ما يقدمه، وهو التحكم الذي يضمنه وفق إجراءات داخلية منها وضع أنظمة تقنية تؤخر البث المباشر ببضع ثوان، بالإضافة إلى وضع ميثاق الأخلاقيات الذي ينص عليه دفتر تحملاته. كما يلزم خلال البرامج المباشرة حضور قوي للمنشط لتأطير النقاش أو تقويمه كلما تعلق الأمر بالحفاظ على الكرامة الإنسانية والأخلاق العامة، خصوصا إذا كان البرنامج  المباشر معدا لغرض ترفيهي عن طريق الفكاهة.
من هذا المنطلق،  يحضر وبقوة سؤال التكوين في مجال التنشيط الإذاعي. فبعد كل العقوبات التي أصدرتها الهاكا إلى حدود اليوم والمتعلقة بتقنين البرامج الإذاعية والتلفزية، يتضح بأنه حان الوقت لفتح نقاش واسع حول التنشيط الإذاعي، خصوصا في غياب تكوين أكاديمي بهذا الخصوص خاصة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال،  حتى لا تتحول بعض البرامج المباشرة التفاعلية إلى ما يشبه «برامج التيليبوتيكات» أي أخذ الهاتف وقول أي شيء دون أي تدخل من المنشط أو تأطير منه، مما يفترض أن يكون المنشط على قدر كاف من التكوين والثقافة العامة يضمن له التحكم في النقاش، خصوصا إذا كان الموضوع ذا حساسية اجتماعية أو سياسية أو دينية أو اقتصادية.
ولا بأس من الاستعانة بخبراء أو أكاديميين يقتسمون معه التنشيط.
ولا شك أن ما حدث بشكل متكرر على محطة «هيت راديو» من «ديراباج» دفع يونس بومهدي مدير «هيت راديو» إلى إرسال «مومو» للتكوين بعد العقوبة الأولى التي أصدرتها الهاكا في حق الإذاعة، بسبب برنامجه «ليبر أونتين».
وترتبط العقوبات التي وجهتها الهاكا إلى المتعهدين بالتجاوزات في ما يتعلق بضبط المضامين التي تحرض على العنف ضد المرأة والإساءة إلى صورتها، والتصريحات ذات الطابع التمييزي والعنصري، وورود لفظ مخل بالحياء وصادم لشعور المستمعين وفيه عدم احترام واضح للأخلاق الحميدة، ويشكل مسا بالأخلاق العامة إضافة إلى عدم احترام قرينة البراءة وسرية التحقيق وحرمة الحياة الخاصة وعدم الكشف عن هوية الأشخاص المعنيين وخاصة القاصرين منهم، والمس بالنظام الملكي.
وتتدرج العقوبات الصادرة، حسب طبيعة المخالفة المرتكبة، وحسب توفر شرط العود بين الإنذار والعقوبة المالية ووقف بث برنامج وتخفيض مدة الترخيص.
ولم يسبق لأي متعهد أن اعترض على القرار الصادر في حقه من طرف الهاكا، رغم أن القانون يسمح له بالطعن في القرار أمام المحكمة الإدارية. باستثناء يونس بومهدي الذي سبق له أن اعترض على القرار الأخير الصادر في حقه والقاضي بتقليص مدة الترخيص، لكن اعتراضه لم يتعد حدود إصدار بلاغ صحافي يتهم فيه الهاكا بالتأويل في قرارها، كرد فعل وصفه مسؤول داخل الهيأة ب»الطبيعي والانفعالي»، لكنه لم يلجأ إلى المحاكم للطعن.
وأضاف المسؤول ذاته أن شرعية قرارات الهاكا غير مستمدة فقط من المرجعية القانونية، ولكن أيضا من سلطة الهاكا في منح الذبذبات التي هي ملك عمومي، وبالتالي لا يمكن أن تسلم ملكا عموميا ليذاع فيه استثمار خاص، دون أن يكون مؤطرا بنصوص قانونية واضحة.
جمال الخنوسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق