fbpx
ملف الصباح

قبائل الأطلس المتوسط ترفض التخلي عن “أسدي”

الطلاق عندها أهون من أن تتجاوز البنات سن السادسة عشرة دون خطوبة

أجمل العرائس اللاتي اخترن سنة 2007 في حفل جماعي لتزويج بنات وأبناء قبائل الأطلس المتوسط بأنفكو وإنمزي وآيت فضالي وغيرها من المناطق التي تتمركز فيها قبائل الأطلس المتوسط، لا يتجاوز عمرها أربع سنوات.
طبعا يصاب كل من يعلم بذلك بالدهشة، بل بالصدمة، لأن ما من سبب يبرر تزويج طفلة عمرها لا يتجاوز أربع سنوات، اللهم إلا في هذه المناطق حيث مازالت الدولة تولي ظهرها لجرائم ترتكب تحت غطاء العادات والتقاليد، وحيث مازالت مدونة الأسرة تعتبر”انتهاكا” لحقوق قبلية استباحت لأفراد منها مطاردة مصورين صحافيين نهاية الأسبوع الماضي، ومنعهم من التقاط صور حية عن زواج جماعي العرائس فيه تتراوح أعمارهن ما بين 4 و17 سنة. العار في قبائل الأطلس المتوسط والأطلس الكبير، لا يكون كبيرا وبحجم الفجيعة إذا طلقت العروس الصغيرة، ولكنه يكون أكبر حجما وقتامة وفضيحة حين تتجاوز البنت سنتها السادسة عشرة دون أن يتقدم لخطبتها عريس مهما كانت وضعيته الاجتماعية والاقتصادية وسنه. والخطبة في هذه القبائل تسمى «أسدي»، وتعني في اللغة الأمازيغية رأس قرب رأس ولها معنى آخر وهو العش، (يقال مثلا إن الكساب وضع قطيعه في السوق على شكل «أسدي» أي رأسا قرب أخرى)، والقبائل في الأطلس المتوسط، حين أطلقت على عرسها الجماعي للأطفال هذا الاسم، فهي تعني به قران رأس برأس، أسرة بأخرى، ونسج علاقة مصاهرة مبكرة قبل أن ينضج الأبناء، وبناء عش أسرة جديدة رغم أن طرفيها الأساسيين يجهلان اصلا كيف خرجا إلى الوجود.

معايير اختيار العروس…

«الشرف» هو أن تحظى الطفلة بخطيب، والعار هو أن لا يخطبها أحد، والعائلات الميسورة والتي تحظى باحترام داخل القبيلة وذوات الملامح الجميلة المتوارثة، تلقى طلبات كثيرة لزواج بناتها، وقد تخطب الطفلة في اليوم الأول التي تولد فيه، فيقرن اسمها باسم ابن فلان، إذ لا يأتي الاختيار اعتباطيا، بل تتحكم فيه معايير النسب والجمال والممتلكات. وتستغرق تفاصيل الخطبة مدة سنة قبل أن تشارك العروس/الطفلة في الحفل الجماعي، إذ بعد أن تعبر أسرة العروس عن الموافقة، تكون بذلك قد حكمت على نفسها بالأعمال الشاقة لدى عائلة العريس، إذ تحكم الأعراف على كل أفراد الأسرة بالعمل في حقول الأصهار فتنتقل أم العروس وعماتها وخالاتها وباقي أفراد العائلة لمساعدة عائلة العريس، وذلك، من منظور القبيلة، لمساعدتها على مضاعفة منتوجها الفلاحي، وبالتالي إعداد عش زوجية مريح لابنتهم، فتستيقظ والدة العروس كل يوم باكرا وتنتقل إلى بيت العريس لمساعدة حماة ابنتها المستقبلية خاصة في فترة الصيف، وهي بذلك تعد لابنتها مكانة داخل هذه الأسرة بحكم أنها ساعدت بشكل غير مباشر في تنمية مواردها الاقتصادية.

العرس الجماعي

الأسباب التي يسوقها أحد منظمي الأعراس الجماعية بأنمزي وأنفكو وغيرها من قبائل الأطلس المتوسط، لإقامة عرس جماعي، عوض أعراس فردية، ثلاثة، أحدها ثقافي والثاني اقتصادي والثالث اجتماعي، وهنا يقول المصدر ذاته، «ثقافيا يحيي هذا العرس الجماعي لدى هذه القبائل تراثا قديما تعبر فيه عن تضامن العائلات مع بعضها البعض، فكل واحدة تحاول تزويج بناتها لأخرى، كما تتضامن القبائل مع بعضها البعض ماديا لإحياء عرس تستضيف إليه كل القبائل، ويصبح بمثابة مهرجان خاص بها تلتقي فيه وتقضي فيه جملة مصالح أخرى اقتصادية واجتماعية.
ويشرح المصدر نفسه أكثر قائلا، «تأخذ تفاصيل الخطبة على الأقل سنة كاملة وفق  عادات وتقاليد القبيلة، إذ  بعد أن يعبر الأب عن موافقته على خطبة ابنته تبدأ العلاقة بين عائلتي الخطيبين، وتنتقل من مجرد زيارات عائلية إلى تعاون وتضامن في العمل، وطيلة هذه السنة تشتغل عائلة العروس لصالح عائلة العريس».
بعد استكمال السنة، يجتمع أعيان القبيلة ويناقشون مسألة العرس الجماعي، فكل سنة يتم إحياؤه في قبيلة معينة، إذ «لا تحيي كل قبيلة عرسا جماعيا سنويا، لأن جميع القبائل في الأطلس المتوسط لها الحق في حضور أي عرس جماعي في أي قبيلة، بل لكل أفراد أي قبيلة حق حضور عرس ولو كان فرديا، وهنا كانت العائلات تتحمل خسائر فادحة كلما أحيت عرس زواج ابنها، فحضور عدد كبير من الضيوف يضطر أسرة العريس إلى ذبح جميع ما تملكه من خرفان»، يوضح المصدر قبل أن يضيف، «لهذا ارتأت القبائل أن تنظم أعراسها جماعيا حتى تتفادى كل أسرة خسارة قطيعها من الماشية، بل إنها أيضا اختارت له توقيتا يمكنه من تقليص عدد الوافدين من كل قبيلة، فأغلب الأعراس الجماعية تقام في الليالي الباردة والمثلجة على وجه الخصوص حتى تحد القبائل من عدد الضيوف الذين يحضرون من كل القبائل».
بعد السبب الاقتصادي للعرس الجماعي يحضر الطابع الاجتماعي لإحياء هذه المناسبات، إذ تكون، حسب القبائل، فرصة لزيارة بعضها البعض ولمناقشة أمورها والمشاكل التي قد تفرق بينها أو تخدش تضامنها مع بعضها البعض.

“أحانو”…

في الأيام الأولى للعرس الجماعي تشارك العرائس في رقصة «أحيدوس» الجماعية، وهي الفرصة التي تختار فيها ملكة جمال العرائس المصطفات في الرقصة الجماعية، ولا تتحكم فيها معايير السن، بل إن المشرفات على الاختيار قد يخترن عروسا في سن السابعة عشرة، أو في الخامسة أو الرابعة.وكل طفلة مهما بلغ سنها، شاركت كعروس في «أسدي» العرس الجماعي الشكلي، تعتبر متزوجة، وإذا غيرت عائلتها رأيها في هذا الزواج/الوعد، أو رفضت هي بعد أن بلغت سنا معينة، فإنها تعتبر بالنسبة إلى القبيلة مطلقة، حتى لو كان سنها خمس سنوات، لذلك عندما يختارها عريس آخر فإنه معفى ضمنيا وفق عادات وتقاليد القبيلة، من الهدايا وغيرها من الأشياء التي تحظى بها العرائس، والقبيلة هي التي تحكم بهذا الطلاق.
العرائس اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين  16 و18 سنة يكون عرسهن كاملا بالدخلة وكل تفاصيل الزواج، أما الأخريات فيجمعن مع خطابهن  في صالون كبير، حيث يقضون ثلاثة أيام في الغرفة التي يطلق عليها اسم «أحانو»، حيث تجلس العرائس في ركن والعرسان في ركن آخر، ويتكلف «وزراؤهم» بجلب الوجبات الغذائية لهم وهي عبارة عن مواد دهنية، إذ تحرص القبيلة على أن تزودهم بأفضل ما لديها من مأكولات، وخلال وجودهم بهذه الغرفة يتولى الكبار فجر كل يوم ترديد ابتهالات صوفية وأشعار ربانية.
في اليوم الثالث تركب العروس بغلة تمسك لجامها أرملة مسنة يشترط أن تكون من الوفيات لأزواجهن الموتى، ويمنع عليها الكلام، بل يطلب منها أن تطوف بالعروس حول مسجد سبع دورات كل واحدة تكون العروس ملزمة بالوقوف فوق البغلة قبل الركوع، وهي طريقة، يشرح المصدر ذاته، مستمدة من الشيخ أبو سليم العياشي الذي تقدسه هذه القبائل، وتعتبر الركعات تسبيحا للخالق في الوقت الذي تردد خلاله العروس أدعية  تطلب فيها من الخالق أن تكون عروسا معطاء، وأن تجلب إلى بيت زوجيتها الخير، وهو ما يفسر ضرورة وجود خروف في مقدمة موكب البغلة، دلالة الخصوبة والعطاء والخير.
ولا يفرض على عائلة العروس المساهمة ماليا في العرس الجماعي، بل تتحمل ذلك عائلات العرسان فقط.بعد ثلاثة أيام في «أحانو» تختار العروس إن كانت ترغب في الانتقال للعيش في بيت الحماة، أو أن تعود إلى بيت أسرتها إلى أن تتوفر فيها شروط الدخلة، وهي شروط تحددها القبيلة، ولا دخل لها هي في ذلك، ومنهن اللواتي يعدن إلى مدارسهن لاستكمال الدراسة إلى أن تطلب القبيلة إعادتهن إلى الدوار لإتمام الزواج، أما إذا كانت إحداهن قد اختارت التراجع عن هذا الوعد فإنها تعتبر مطلقة، وهو السبب الذي يجعل أغلب الآباء يفرضون على بناتهن البقاء في البيت مخافة أن تتحمس للدراسة وتفتح أمامها القراءة والكتابة أبواب المعرفة، فتنسج في مخيلتها أحلاما قد تطالب في ما بعد بتحقيقها، لذلك يفضل الآباء أن تنقطع بناتهن عن الدراسة عوض أن يصبحن مطلقات وهن بعد طفلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق