ربورتاج

القرعة… البحث عن الحلم الأمريكي

ينجح فيها حوالي ألف مغربي ومقاهي الأنترنت والتصوير  تكسب منها أرباحا

انطلق في ثاني أكتوبر الجاري، الموسم العشرون من قرعة الهجرة إلى أمريكا، ويستمر  إلى الثالث من نونبر المقبل. ومرة أخرى، تعد المناسبة، فرصة للكثيرين من الحالمين، بالحلم الأمريكي، لتجريب حظهم
 في عبور المحيط الأطلسي. هنا صورة مكبرة، عن العملية.

إنجاز: امحمد خيي – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

في مطلع أكتوبر الجاري، علمت إكرام، التي أمضت كل حياتها، في الحي الحسني بالبيضاء، وهي الفتاة المهووسة بـ”العقلية المتطورة” التي تسم المرأة الأمريكية، وعمادها اتباع الاستراتيجيات والتخطيط لكل شيء بأنانية مفرطة، أن أمامها فرصة لعبور المحيط الأطلسي، بحر الظلمات لدى العرب والأفارقة القدامى، عن طريق المشاركة في “برنامج الهجرة العشوائية” الذي أعلنت القنصلية العامة للولايات المتحدة الأمريكية بالبيضاء، انطلاق موسم جديد منه.

لعبة حظ
لم تتردد الشابة العشرينية، التي تعد شهادة الإجازة الجامعية في الأدب الإنجليزي، إنجازها الوحيد في المغرب، حققته في يوليوز الماضي، دقيقة واحدة في التوجه إلى أقرب مقهى للأنترنت، لأنها، ومنذ تخرجها، لا تستطيع أن تتخيل نفسها، بعد سنوات من الكد الدراسي، مجرد عاملة في مركز نداء أو مساعدة في مدرسة خصوصية، هي التي تعلم أن جيمس تراسلو أدامز، حدد الحلم الأمريكي، منذ 1931، في “القدرة على تحقيق حياة أفضل وأكثر ثراء وسعادة”.
قبل أن تلج إكرام، إلى المقهى، تمر في طريقها على مختبر للتصوير الفوتوغرافي، للحصول على صورة، أصرت ألا يطبعها المصور، ورجته أن تحصل عليها في قرص مضغوط. تجلس الفتاة إلى حاسوب في المقهى، وهي تعلم أن العملية، وفق ما حكاه لها آخرون، لن تكلفها سوى ثلاثة دراهم، تسعيرة نصف ساعة من الإبحار  في الأنترنت.
“باسم الله، فلنجرب أشهر لعبة حظ تنظمها بلاد العم سام منذ 1995، لفائدة من ينشدون الإقامة في منارة الحرية والازدهار منذ القرن 19″، تقول السمراء التي لا ينفع انسدال خصلات مجعدة من شعرها في إخفاء اكتناز وجنتيها، وهي تقصد، أن “برنامج الهجرة العشوائية”، سمي كذلك، لأنه “لا يتطلب أكثر من تعبئة طلب إلكتروني على موقع تخصصه السلطات الأمريكية لذلك، وكثير من الحظ”.
وأمثال الفتاة، خريجة شعبة الدراسات الإنجليزية المتحدرة من أسرة باقي أفرادها بسطاء على كل الأصعدة، المالية منها والثقافية، يتجاوز عددهم، 50 مليون شخص، إجمالي المشاركين في “اللوتري ديفيرسيتي” الأمريكي من دول العالم المعنية به، و55 ألف واحد منهم، فقط، يمكن أن يحالفهم الحظ، فيحصلون على “البطاقة الخضراء” للإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، مع إمكانية الحصول على الجنسية، في ما بعد.
مدخول إضافي
مقهى الأنترنت الذي تباشر فيه إكرام، ملء المطبوع الافتراضي، يعد الطابق العلوي لبناية تطل على شارع أفغانستان بالحي الحسني، ويعمل فيه ونيس، شاب طويل القامة، شكلت أشعة الحاسوب من حول عينيه هالة سوداء رغم ارتدائه نظارات طبية جميلة، فصارت نظرته  صارمة وحزينة.
ولو كانت إكرام، تجهل اللغة الانجليزية، لن يكون منقذها، أحدا آخر، غير ونيس، الحائز على شهادة في المعلوميات، وله معرفة بلغة “شكسبير”، تنفعه في أداء عمله، لذلك، يستثمر، الفترة الممتدة من أكتوبر إلى نونبر من كل سنة، لتحصيل مدخول إضافي، في مساعدة الراغبين في تجريب حظ الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
“أقوم بذلك منذ 2002، مقابل عمولات تتراوح بين 20 درهما و30″، يكشف ونيس، الذي تتطلب منه عملية ملء المطبوع الافتراضبي، حوالي 10 دقائق، ويعود إليه فضل هجرة عدد من الأشخاص، ما يزال يتذكر أسماءهم ومصائرهم، في الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي حيث تغرب الشمس،  دون أن يتجرأ يوما، على ملء المطبوع لنفسه.
وبالنسبة إلى الشاب القنوع بعمله مديرا في مقاهي الأنترنت، يعد دمج السلطات الأمريكية المكلفة بالبوابة الرقمية لـ”برنامج الهجرة العشوائية”، لتطبيق يساعد على ملاءمة الصور الفوتوغرافية مع المقاييس الدقيقة التي تطلبها الولايات المتحدة، مستجدا جيدا خلال الموسم، “وخفض، لي، شخصيا، المدة الزمنية لملء المطبوع، إلى ما دون 5 دقائق، عكس المواسم الماضية، التي نضطر فيها إلى استخدام الفوتوشوب”، يشرح الشاب.
ولا يخفي خبير المعلوميات، أن زبناءه، ذكورا وإناثا من شرائح مهنية متنوعة، “وأعرف محاميا شابا، وطالبة طب، لم يترددا في المشاركة، وحالفهما الحظ، ليتركا وراءهما بالمغرب، جمالهما وما حملت، وانضما إلى الحلم الأمريكي”، غير أن المتحدث، ينبه إلى مسألة مهمة، “حينما يتم الاعلان عن النتائج في منتصف ماي، وإتمام باقي الإجراءات، وأساسا المقابلة في القنصلية، تنتهي علاقتك بالسفارة الأمريكية في المغرب، بمجرد مغادرة الأجواء المغربية”.
ما يقصده الشاب، الذي يستقطب أربعة مشاركين في القرعة في اليوم الواحد، أنه يعرف قصة شاب مغربي، حالفه الحظ رفقة 900 آخرين، ولما تجاوز  المحيط الأطلسي جوا، ظل لأيام، متشردا في الشوارع الأمريكية، إلى أن وقعت عينه على مطعم للأكلات المغربية، وجد فيه متحدرين من المغرب، واستضافوه لديهم.

عشوائية دقيقة
إكرام، التي أنهت توا، ملء المطبوع واستخرجت وصلا ستحتفظ به إلى غاية ماي المقبل لتوظيفه في معرفة نجاحها من عدمه، هي التي لم تعد تتوفر لديها فرصة أخرى في المشاركة، تقول إن العملية “تتطلب كثيرا من الحظ”، لأن عملية السحب العشوائي، يقوم بها حاسب آلي، لكن، في الحقيقة، ليست العشوائية في برنامج الهجرة العشوائية، أمرا مطلقا.
الخميس فاتح أكتوبر الجاري، داخل مبنى القنصلية العامة للولايات المتحدة الأمريكية بالبيضاء، يوجد رياض مهدي، نائب القنصل العام، في مائدة مستديرة، استدعى إليها وسائل الإعلام، وغرضه تبشير المغاربة بانطلاق موسم جديد من القرعة الأمريكية.
خلال ذلك اللقاء، سيظهر، أن الحاسب الآلي للسحب العشوائي للترشيحات، يعرف العينة التي يبحث عنها بشكل دقيق، إذ قال رياض إن “المرشحين يتوجب عليهم التوفر على شهادة باكلوريا على أقل تقدير، وفي حال عدم التوفر على تلك الشهادة، يمكن قبول المرشحين المتوفرين على تجربة مهنية مدتها سنتان في مجال عالي التخصص، شريطة أن تستجيب تجربتهم المهنية للمعايير المسطرة من قبل الخارجية الأمريكية”.
وتبدو التجربة المهنية في القطاعات التي تحتاج فيها الولايات المتحدة الأمريكية إلى موارد بشرية، العنصر الحاسم في القرعة، لذلك، تضع أمريكا، موقعا إلكترونيا آخر، بمثابة نظام رقمي لتصنيف التجارب المهنية، ويستحسن، قبل المشاركة،  أن تحصل التجربة المهنية، عقب تحليلها على علامة لا تقل عن 0.7 نقطة.
وتبقى المقابلة التي يجريها الناجحون في السحب، مع القنصل العام شخصيا، في مكاتبه، من مظاهر الدقة في العشوائية الأمريكية، إن لم تكن، الامتحان الحقيقي، بعد لعبة الحظ الإلكترونية. ففي المقابلة يتم التثبت من المعلومات التي أدلى بها المرشح ومدى توفر الشروط فيه، قبل منحه تأشيرة المرور من الجسر الذي تقيمه الولايات المتحدة الأمريكية، فوق المحيط الأطلسي.

أمريكا تبحث عن التنوع

ما الذي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية، تفتح أبوابها سنويا، أمام 55 ألف مهاجر جديد، عبر برنامج قرعة الهجرة، في وقت تسعى فيه بلدان أخرى، إلى الحد من تسرب المهاجرين إليها؟ الجواب، كما يقدمه الأمريكيون، بسيط جدا: نبحث عن التنوع.
 وتؤشر لائحة البلدان، التي يسمح لمواطنيها بالمشاركة في القرعة، أنها بلدان، تشهد معدل هجرة منخفض إلى الولايات المتحدة، على عكس المحرومة من ذلك، مثل البنغلاديش وكندا والبرازيل ونيجيريا وبريطانيا، التي يصل إجمالي الوافدين منها إلى الولايات الأمريكية، 50 ألفا في كل خمس سنوات.
وتم إقرار تأشيرة التنوع بموجب قانون الهجرة الأمريكى في 1990، وشرع في تطبيقها منذ 1995، وبموجبها يسمح لـ55  ألف فائز، بالسفر بحرية من وإلى الولايات المتحدة، مع إمكانية الاستفادة من خدمات الصحة والتعليم والضرائب والتقاعد والضمان الاجتماعي، وغيرها من المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة، وأيضا التقدم للحصول على الجنسية الأمريكية دون أن يفقدوا جنسيتهم الأصلية.

أوباما يحذر من النصب

لم تتردد السلطات الأمريكية، لمناسبة الموسم الحالي من قرعة الهجرة، في تحذير مواطني البلدان المسموح لها بالمشاركة، من مغبة التعرض للنصب والاحتيال، بعد أن اكتشفت أجهزة الأمن الأمريكي، أن الإقبال المتزايد على المشاركة، أسفر عن ظهور شركات ومواقع خدمات إلكترونية، تنصب على الأفراد، بادعاء قدرتها على مضاعفة حظوظ فوزهم.
وفيما تؤكد السلطات الأمريكية أن الموقع الرسمي للقرعة هو الوحيد المعتمد، نبهت إلى أن من بين مواقع النصب والاحتيال، تلك التي يلجها الأفراد فيقومون بملء مطبوع افتراضي مزور، يقوم عبره النصابون بالحصول على المعطيات الشخصية للأفراد، ومن ثمة يتوصلون برسائل إلكترونية تخبرهم بفوزهم وتطالبهم بدفع قدر من المال لإكمال الإجراءات، في حين أن البرنامج الأمريكي للهجرة العشوائية، مجاني في كل مراحله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق