fbpx
حوار

البكاري: احتجاجات العاطلين لم تهدد الحكومة

مستشار الوزير الأول قال لـ “الصباح” إن التظاهر في الشارع لم يعد مقياسا وحيدا في التوظيف

قال عبدالسلام البكاري، مستشار الوزير الأول، إن تدبير  الحكومة الحالية لملف الدكاترة العاطلين ليس جديدا، على اعتبار أن الوزير الأول سبق له أن شغل منصب وزير الشغل، وكان على دراية كبيرة بملف الأطر العليا، وكان دائم التضامن مع هذه الفئة. وأوضح البكاري في حوار مع «الصباح» أن الاهتمام بهذه الفئة بدا واضحا من خلال تصريح الوزير الأول في بداية مشوار الحكومة،

مؤكدا أنه سيخصص 10 في المائة من المناصب في كل القوانين
المالية طيلة فترة انتداب الحكومة الحالية لفائدة الأطر العليا.  في ما يلي نص الحوار:

أقدمت الوزارة الأولى على تسوية ملف حاملي الشهادات العليا، وتزامن هذا الإعلان مع الحركة الاحتجاجية التي عرفتها بعض الدول العربية. ما هي خلفيات إيجاد حل في هذه الظرفية  بالذات؟
لابد أولا من التأكيد أن الظرفية التي تتحدثين عنها صحيحة بالنسبة إلى الملاحظ العادي الذي يمكن أن يتبين له أن هذا التدبير جاء بناء على شيء من هذا القبيل، أو أن التدبير ارتبط بالحركية التي تعرفها مجموعة من الدول العربية، لكن لا بد قبل الإجابة على السؤال أن نضع الملف في سياقه التاريخي، لأن تدبيره من قبل الوزارة الأولى ليس شيئا جديدا، إذ أن ظاهرة تأسيس المجموعات بدأت عام 1994، وبالتحديد في مركب الصناعة التقليدية بسلا، وكنا من المتضامنين مع هؤلاء الأطر العاطلين.

تضامن في إطار حزب الاستقلال؟
لا كمنظمات شبابية في إطار الحركة المسماة آنذاك لتشدو التي كانت تضم الشبيبة الاتحادية والشبيبة الاستقلالية والشبيبة الديمقراطية التقدمية والشبيبة الاشتراكية. ولم تجد فئات الأطر العليا المعطلة في تلك الفترة من يحاورها داخل المجتمع.
إن المجموعة الأولى التي تأسست عام 1994 تقوت بعد سنتين، وكان أطرها يجوبون شارع محمد الخامس، ويحملون لافتة كتب عليها «نريد الحوار». والغريب في الأمر أن تدبير هذا الملف لم يبدأ إلا في حدود عام 1998، فباب الحوار كان موصدا في وجه هذه الفئة التي تضم خيرة أطر البلاد.
وبعد 1999، أي مع مجيء حكومة عبد الرحمن اليوسفي، اتخذت قرارات وانطلقت عملية التدبير، بعد أن وعد الراحل وزير الداخلية إدريس البصري بإيجاد الحل.
والملاحظ هنا أنه رغم بداية العملية، إلا أنها كانت تتم بشكل متفرق، أي إدماج مجموعة خلال سنة، وتتوقف العملية لسنة أو ثلاث سنوات، وهذا ما سجل سواء خلال حكومة اليوسفي أو حكومة جطو.
أما في ما يتعلق بالحكومة الحالية، وعلى اعتبار أن الوزير الأول سبق له أن شغل منصب وزير الشغل، وكان على دراية كبيرة بملف الأطر العليا، وكان دائم التضامن مع هذه الفئة، كان من الطبيعي، في إطار التضامن الحكومي، أن تكون للأطر العليا مكانة ودور في بناء التنمية، فكان الاهتمام بها من خلال تصريح الوزير الأول في بداية مشوار الحكومة، مؤكدا أنه سيخصص 10 في المائة من المناصب في كل القوانين المالية طيلة فترة انتداب الحكومة الحالية لفائدة الأطر العليا.
وبالفعل، شرعنا في معالجة الملف كدفعة أولى عام 2008، ولاحظنا وجود تراكم كبير للسنوات الماضية، فكان لا بد من إيلاء الاهتمام، لكن الحقيقة أننا وجدنا واقعا في الشارع فرض علينا التعامل معه.
وبما أن الحكومات السابقة تعاملت مع الحركة الاحتجاجية لهؤلاء، واضطررنا إلى نهج الأسلوب نفسه خلال عام 2008 و2009، إلا أنه في عام 2010، قلنا لا بد من إعادة النظر في الأمر، ولا يمكن للاحتجاج في الشارع أن يصبح المقياس الوحيد في إدماج الأطر العليا في سلك الوظيفة العمومية.       
وللأسف، أن ممارسات بعض المجموعات أصبحت خطيرة وكانت تقصي أطرا من التوظيف، إذ أصبحت هذه المجموعات هي التي تباشر الحوار وتفرض على الخلية، التي تضم الوزارة الأولى والداخلية وتحديث القطاعات العامة، التي تشتغل على الملف أجندة معينة ونوعية الأطر الواجب إدماجهم. وصلنا إلى وقت لم يعد ممكنا بتاتا الاستمرار في هذا الاتجاه، علما أنه بلغة الأرقام، حققنا الشيء الكثير، بيد أنه في عام 2008 وظف 1250 إطارا، وفي 2009، تم إدماج 1350، بل إنه لأول مرة وظف أطر من الأقاليم الجنوبية، إذن في ظل ثلاث سنوات، تمكنا من إدماج 4300 إطار.
ودون أن أعمم، أقول إن بعض المجموعات، وليس كلها، كانت تمارس أساليب إقصائية خطيرة، ونتوفر على شكاوى وعلى ملفات سلمت لنا من قبل عاطلين. فكيف يعقل مثلا أن مجموعة تحدد إجازة الولادة في عشرة أيام، وتقصي كل عاطلة تجاوزت المدة وتشطب على اسمها من اللائحة، هذا في الوقت الذي تحدد الدولة إجازة الولادة في ثلاثة أشهر وعشرة أيام. إنه إقصاء من قبل من يفترض أن يتعاطفوا مع زميلاتهم ويتفهمون وضعهن الصحي.
والغريب أيضا أن مثل هذه المجموعات تفرض ذعيرة مالية على المتغيبين، وهي الذعيرة التي يمكن أن تصل إلى 5000 درهم، وشخصيا، أتوفر على وثائق لمجموعة من الحالات فرض عليها الأداء، وسلمت إليها وصولات تثبت ذلك.
وضع أدى ببعض العاطلين إلى رفض الاصطفاف في المجموعات التي تفرض الاحتجاج، على اعتبار أن التوظيف حق مكفول دستوريا ولا شيء يلزم التظاهر أو الاحتجاج في الشارع.
هذا الواقع هو الذي دفعنا العام الماضي إلى التفكير في صيغة مناسبة، فتشكلت مجموعات اشترطنا عليها عــــــــــدم النزول إلى الشارع مقابل فتح باب الحوار، فقبلت ذلك. وبالفعل، تشكلت مجموعات على الصعيد الجهوي، وتعاملنا معها على قدم المساواة مع تلك التي تتظاهر في الشارع، صحيح أن مجموعة من الأطر تلح على أنها تتوفر على «الشرعية التاريخية وشرعية الشارع»، ومع ذلك تعاملنا مع الموضوع بإيجابية ووفقنا بين الحالتين، لكننا ارتأينا الاعتماد على مقياس أقدمية الحصول على الشهادة، لأن المفارقة الغريبة بين اليوم والأمس تتمثل في أن الحوار كان في الأمس منعدما ومتذبذبا ومتقطعا، حاليا هناك التزام حكومي من خلال التنصيص على نسبة 10 في المائة وفي كل سنة، بيد أن أكثر من 1300 يتم توظيفهم، لكن الغريب أن الشارع يكون مليئا بالعاطلين، وهنا يطرح سؤال عن ماذا يقع، فالحوار مفتوح، والتزام الحكومة قائم، ومع ذلك  نلاحظ أن الشارع يعج بالحركات الاحتجاجية، إنه واقع غير مفهوم.

ربما بسبب غياب الثقة بين العاطلين والحكومة، على اعتبار أن الإعلان عن عدد المناصب الشغل في ميزانية 2011 أثار حفيظة المجموعات؟
فعلا الطريقة المعتمدة سابقا كانت تثير حفيظة العاطلين، لأن الإدماج يتم خلال سنة ويتوقف سنتين، وهذا يؤدي إلى تراكم وبالتي يؤجج خوف الأطر، لكن الوزير الأول في بداية عمل حكومته صرح بالتزام الأخيرة طيلة فترة انتدابها تخصيص 10 في المائة من المناصب المالية للأطر العليا بل الأكثر من ذلك، فإنه على مستوى التدبير، تبين للأطر أن الحكومة التزمت فعلا عام 2008 و2009 و2010، إذن لم يكن أي داعي إلى الاستمرار في التصعيد في الشارع، علما أن الحوار مفتوح.

تقصدون أن هناك أيادي خفية تفتعل التوتر وترغب في استغلال الملف ضد الحكومة؟
يبدو أن هناك فئات، للأسف، تشكك في كل شيء، بل حتى عندما يخبر العاطلون بالتدبير من خلال الإعلان عن عدد الوظائف التي حسم فيها، تتعالى بعض الأصوات وتحتج على التأخير في التنفيذ الفعلي، مع العلم أن العملية مرتبطة بمجموعة من الإجراءات الإدارية. إنها محاولة التشكيك في كل شيء، لكن أؤكد أنه خلال ثلاث سنوات، بنيت الثقة بين المجموعات والخلية الحكومية المشرفة على ملف العاطلين، وهي الخلية التي تنكب على التدبير التقني. والدليل على هذه الثقة، التزام الحكومة بالوعود التي أعلنت عنها، وكذا التزام المجموعات التي نحييها بالمناسبة، لأنها اقتنعت بأن التصعيد في الشارع ليس هو الحل الوحيد، وقامت بإخلاء الشارع.
وفي ما يتعلق بعام 2011، طرح أمام اللجنة استثناء من حيث عدد العاطلين. ووقعت المفاجأة، لأن الأطر العليا تعودت  توظيف نصف العدد فقط، في ما أن النصف المتبقي يضطر إلى العودة إلى الاحتجاج. في هذا العام، وبعد أن صادق البرلمان على القانون وإصدار مرسوم، كان لا بد من إيجاد حل للعدد الإجمالي المتبقي من أجل تجاوز تراكم السنوات الماضية، وبالفعل تمكنا من توظيف 4304 من الأطر.
إنها الطريقة التي اعتمدناها من أجل امتصاص الأعداد المتراكمة من الحاصلين على الشهادات العليا، مع الإشارة أن الخلية وجدت نفسها أمام 39 مجموعة، مجموعات تناضل في الشارع، وأخرى آمنت بفضيلة الحوار، لكن للأسف وبعد الإعلان عن القرار، لم يتردد بعض العاطلين في وصف زملائهم ب»الأشباح»، علما أنهم أقدموا على إقصائهم من مجموعاتهم، ففضلوا تشكيل مجموعات أخرى ولم يخرجوا إلى الشارع، وكانوا يتحاورون مع الخلية.

مجال التوظيف يرتبط أساسا بما هو سياسي، والظرفية التي أعلنت فيها الحكومة إنهاء ملف الأطر العليا تزامن ومطلب إسقاط الحكومة وإشاعة التعديل الحكومي، كيف قرأتم هذه الإشاعات؟
إن المغرب لا يمكن أن يقارن بأي دولة عربية أخرى، لأن الحريات والتظاهر ليست شيئا جديدا في المغرب، ونجد مثلا تظاهرات قطاعية في مختلف الأقاليم. أما الأطر العليا، وكما أسلفت، تظاهرت منذ عام 1994، وهذا ليس جديدا ولا يهدد الحكومة.
ومن يرفع شعار «إسقاط الحكومة» نقول له إن هذا الأمر مرتبط بالقوانين، وإن الحكومة الحالية منبثقة من أغلبية برلمانية، والوزير الأول عين من الحزب الذي احتل الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فهذه إرادة الشعب بغض النظر عن نسبة التصويت إن كانت مرتفعة أو دون ذلك.
إن الوضع الحالي جاء بناء على نتائج انتخابات تشريعية واضحة، والمغرب دخل في إصلاحات ومشاريع كبرى، كما أن الإصلاحات الدستورية التي جاءت في الخطاب الملكي الأخير تتوج مسار مجموعة من الأوراش الكبرى، ومن الطبيعي أن تتوج بإصلاح دستوري. وبلدنا ليس معزولا وما هو قائم اليوم ليس جديدا  على الساحة السياسية أو النقابية أو الشبابية، مقارنة مع دول أخرى.

التضامن الحكومي مكن من تجميع 4300 منصب شغل شاغر

تحلت حكومة عباس الفاسي بجرأة كبيرة في تدبيرها لملف العاطلين من حملة الشهادات العليا. وكان لا بد من اعتماد أكبر عدد ممكن من المناصب لامتصاص التراكم المسجل، كما صعب إخضاع هؤلاء للقانون، فكان لا بد من إحداث استثناء للتعاطي مع الملف خلال العام الجاري. وخلال نقاشنا مع المسؤولين في القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، تمكنا من تجميع حوالي 4300 منصب شغل شاغر، فرجعنا إلى المجموعات التي فتحنا معها الحوار، بل إننا وجدنا أن إجمالي الذين يتظاهرون في الشارع محدد في 1600، في حين أن الأطر في المجموعات الأخرى تجاوز 2800 إطار. ففي إطار التضامن الحكومي، جمعنا 4300 منصب شغل شاغر. إذن معيار النضال في الشارع لم يعد معتمدا، وهناك تغليط بأنه لا يوظف إلا من اعتصم في الشارع، واليوم نؤكد أن 2800 إطار ينتمون إلى مجموعات من مختلف الجهات وظفوا دون اللجوء إلى الشارع، ومن هنا نقول إن الثقة هي الأساس في عملية التوظيف، فهناك إرادة قوية من لدن الحكومة مقابل ثقة لدى المجموعات.
لقد اجتمعنا يوم عاشر فبراير الماضي في ولاية الرباط مع ممثلي المجموعات، ولما أعلنا عن العدد الإجمالي الذي سيتم توظيفه في إطار شمولي، اندهش الجميع، لأن الإجراءات السابقة لم تكن تفضي إلا إلى تشغيل 1200 أو 1300 في السنة. كنا أمام خيار القطع مع التظاهر في الشارع، مادام هناك التزام وإرادة قوية وعملية إدماج سنوية، فهذا سيمكننا من تجاوز تراكم السنوات الماضية، ويصبح الملف سهلا من حيث التدبير.
وللإشارة فقط، فإن القطاع الخاص أبدى رغبة في الانخراط في عملية توظيف الأطر العاطلة، لكن للأسف، وبسبب تجارب سابقة، فإن الأطر تتخوف من هذا الخيار، ونعتقد أن هذا التخوف موضوعي، بناء على ممارسات بعض المؤسسات الخاصة التي تركت انطباعا سيئا، خصوصا في ما يتعلق بالاستمرارية.
واليوم نريد وضع مقاييس موضوعية في التوظيف، لأنه لا يعقل أن شخصا عمره 43 سنة حاصل على شهادة منذ عشر سنوات، لا يوظف في حين أن شبابا حديث التخرج يتمكن من ذلك بحكم منطق الشارع، ويعتبر نفسه أنه يتوفر على «الشرعية» ولا يسمح للأول بأن يوظف.

نحن أمام مشروع ملكي

اليوم، نحن أمام مشروع ملكي، فاجأ الجميع. ولا نغالط بعضنا البعض أو نغالط المغاربة. فالإصلاحات الدستورية كانت واردة في أجندة مجموعة من الأحزاب. وأذكر بأن حزب الاستقلال الذي انتمي إليه، بادر زعيمه علال الفاسي عام 1956، بالمطالبة بوضع أول دستور، ورفع مذكرة إلى المجلس الوطني يقول فيها إن البلد لا يمكن أن يسير إلا بدستور.
ثم إن جميع مؤتمراتنا كانت تنتهي برفع مطلب الإصلاحات الدستورية، وهنا لا بد أن أشير إلى الدورة التي عقدتها الشبيبة الاستقلالية عام 2006 وخصصتها لموضوع الإصلاحات الدستورية، وهي المبادرة التي عوتبنا بسببها من قبل القيادة، لكن إرادتنا كانت قوية وساهمت في إخراج «الورقة المحمدية» حول الإصلاح الدستوري. ومن هذا الباب، نقول إن الموضوع ليس في حاجة إلى مزايدات ولا يمكن لأي أحد أن يقول إن هذه مطالبه، بل مطالب الهيآت السياسية المحترمة التي ناضلت بمرارة، وإن جلالة الملك بمعية الأحزاب الوطنية وإلى جانب الحكومة، ارتأى أن يتوج الأوراش الكبرى الحالية بإصلاحات دستورية. إنها أوراش تحتاج إلى تغيير جذري للدستور ونعتقد أن النقاط السبع الواردة في الخطاب ستشكل ثورة في تاريخ المغرب، إذا ما أحسنا كيفية الأجرأة والتدبير والصياغة.
لذلك أعود لأؤكد أن الحكومة بادرت بتشغيل 4304 من الأطر ليس خوفا من إسقاطها، إنها تتوفر على إرادة في اتجاه التسوية النهائية للأطر العليا ولمجموعات أخرى مثل المكفوفين والمعاقين حركيا ومجموعة التكوين التأهيلي وملف حاملي الرسائل الملكية.

أجرت الحوار: نادية البوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق