مجتمع

“التريبورتور” ينقل الأشخاص عوض البضائع

دراجات ثلاثية العجلات تنافس سيارات الأجرة والحافلات 

غزت في الآونة الأخيرة شوارع البيضاء، وسيلة نقل تنافس سيارات الأجرة بنوعيها الكبير  الصغير، والحافلات والطرامواي في نقل الأشخاص إلى مقرات عملهم. في ظل أزمة النقل التي تتخبط فيها البيضاء، وعجز السلطات لإيجاد حل لها، وجعل المواطنين يصطفون في طوابير طويلة والبحث على من يقلهم أو التكدس في حافلات مهترئة، ظهرت دراجة ثلاثية العجلات، حلا سحريا لفئات عريضة من المجتمع، خصوصا  الفقيرة ذات الدخل المحدود، وتحويلها من وسيلة لنقل البضائع إلى نقل الأشخاص من طرف مجموعة من الشباب واتخاذها مورد رزق للهروب من البطالة، رغم أن القانون يمنع نقل الركاب في وسيلة نقل غير مرخص لها.

تحول مفاجئ
ارتبط “التريبورتور“، في البداية بنقل البضائع في الأسواق الكبرى من خضر وأسماك وسلع وتوزيع الجرائد وصمم لهذه الغاية، إذ أن خلفيته تشبه شاحنات نقل البضائع، ولكن في السنوات الأخيرة، عمد بعض الأشخاص إلى تغيير تصميمه وإضافة بعض التجهيزات وتحويل خلفيته إلى ما يشبه صالون صغير بكراس، وتنصيبه خصما لسيارات الأجرة والحافلات لنقل الأشخاص، مستغلين أزمة النقل التي تعرفها المدينة.
 بحي الألفة يتسلل شاب وسط طابور من العشرات من الركاب ينتظرون وسيلة تقلهم إلى مقرات عملهم، «خويا غادي للمعا ريف، غادي دابا، نوصلك بالزربة»، هناك من لا يعيره أي اهتمام، وهناك من لبى نداءه، خصوصا الفئة المستعجلة، وما هي إلا لحظات معدودة حتى امتلأت دراجته بثمانية أشخاص.  اعتبر صاحب الدراجة  أن الوسيلة الوحيدة لجلب الزبناء هو التسلل وسطهم خصوصا في أوقات الذروة، كما أن البعض منهم أصبح يقصدها مباشرة بمجرد وقوفها قرب المحطة، ويتوسلون صاحبها لكي يسرع في توصيلهم، مثل حالة محمد الذي صادفناه يترجى صاحب الدراجة بنبرة فيها نوع من التوسل «عفاك أخويا بالزربة»، ولأنه طرد عدة مرات من عمله بسبب تأخره، فوجد ضالته في هذه الدراجة رغم المخاطر المحدقة به.  وأضاف أنه يعانى كثيرا مع وسائل النقل خصوصا الحافلات التي يتكدس بها العشرات وتتأخر في إيصاله في الوقت المحدد، كما اعتبر آخر أن الدراجة الصينية  تكون في بعض الأحيان أسرع من سيارات الأجرة خاصة في ساعات الذروة، كما أنها مناسبة للفئات المحدودة الدخل.

الحاجة أم الاختراع   
أدى الانتشار الواسع لهذه الدراجة الصينية بالبيضاء إلى توفير العديد من مناصب الشغل للشباب العاطل، الذين وجدوا فيها  حلا مؤقتا لأزمة البطالة التي يتخبطون فيها، وأضحت مورد رزق للعديد منهم خصوصا  الذين لا مهنة لهم، أو الحاصلين على شهادات جامعية، كما هو حال عبد اللطيف البالغ من العمر 31 سنة من حي سيدي مومن الذي نال الإجازة من شعبة الأدب العربي، وبعد بحثه المتكرر عن عمل وفشله في نيل وظيفة، لم يجد أمامه سوى استدانة بعض المال من أقاربه وشراء دراجة.  وعبر ضاحكا «الحاجة أم الاختراع»، وهو يزاول  نقل الأشخاص رغم العديد من المشاكل التي تلاحقه، إذ تعرض لحادثة، مشيرا أن عمله يبدأ في الساعات الأولى من الصباح، ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، وأنه يقدم خدمة كبيرة للمواطنين خصوصا الذين لم يجدوا من يقلهم إلى منازلهم. غير بعيد عن عبد اللطيف يقف عمر قرب دراجته بعد أن أضفى عليها لمسات فنية، جعلتها تظهر في أبهى حلة، إذ أقر أن هذه المهنة انتشلته من عالم البطالة  والضياع، بعد أن حصل على  دراجة من إحدى الجمعيات الخيرية، وبفضل مدخولها تمكن من الزواج وتلبية متطلبات أسرته الصغيرة، فيما اعترف صديقه أن هذه المهنة جعلته يندمج داخل المجتمع، بعد أن قضى عقوبة حبسية، وأثناء خروجه تم تقديم الدراجة له من طرف «مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء»، و توفر له دخلا يضمن له عيشا كريما، أبعده من معاودة دخول السجن بفعل عمليات السرقة التي كان يقوم بها.  كما نبه إلى أن العديد من ممتهني هذه المهنة يستغلون الدرجات لاقتناء الخمر والمخدرات ويبتزون الركاب ويسرقون بعض أغراضهم.

دخل يومي متقلب
يختلف الدخل اليومي لأصحاب الدراجات من مكان لآخر، إذ تزداد مداخيلهم في المناسبات والأعياد وبالخصوص في عيد الأضحى، وفي أيام التظاهرات الرياضية، مثل مقابلات الوداد والرجاء، إذ يعملون على نقل جحافل من جمهور الفريقين من مختلف الأحياء إلى المركب الرياضي محمد الخامس،  فينتعش فيه مدخولهم.  ويختلف الأمر حسب الفصول، إذ يعرف أوجه في فصل الصيف الذي يكثر فيه الزوار والتنقل بكثرة بين الشواطئ، ويطول النهار مما يتيح فرص أكثر لساعات العمل، في حين يكون فصل الشتاء باردا في كل شيء جوا ودخلا. كما تقل الحركة والرواج خاصة بالليل، «تتوصل الثامنة ليلا تتقطع الرجل»، هكذا يعلق عمر الذي يعمل في هذه المهنة منذ خمس سنوات.
رشيد اجعيبر (صحافي متدرب)

فراغ قانوني

رغم أن القوانين تمنع نقل الركاب إلا برخصة من السلطات، فإن أغلب أصحاب الدراجات المذكورة قاموا بتحويلها من نقل البضائع إلى نقل الأشخاص، مستغلين أزمة النقل، وتسببوا في العديد من الحوادث وعرقلوا السير.
 وطالب العديد ممن صادفتهم «الصباح»، أن تسن قوانين تنظم عمل هؤلاء وفرض رخصة السياقة عليهم وترقيم إجباري لكل دراجة، وخصوصا أن بعض أصحابها يرغبون بالانضواء تحت سقف جمعية مهنية، والضرب بقسوة على كل من تلاعب أو أخل بالقانون كفقدان الرخصة، وفرض غرامة مالية، خصوصا أن منهم من يحدث عرقلة بالشارع، ولا يعرفون السياقة أو لا يفقهون في قوانين السير، معرضين حياتهم وحياة الآخرين للخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق