ملف عـــــــدالة

شكري: مزيف العملة يعيش سادية مرضية وعدوانية مفرطة

أستاذ علم النفس قال لـ”الصباح” إن الأنا يمارس التزييف كتعويض نفسي لتصريف التوتر

تحدث الدكتور عبد الجبار شكري (أستاذ باحث في علم الاجتماع وعلم النفس) عن الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع شخصا إلى تزييف العملة،
معتبرا ان المزيف للعملة يتميز بشخصية منحرفة ومتهورة مندفعة يغلب عليها منطق اللذة الذي يلغي تماما
منطق العقل والواقع في تقدير وتقييم عواقب الأمور…

ماهي الأسباب النفسية التي تؤدي بشخص إلى تزييف العملة؟
من وجهة نظر التحليل النفسي فالتزييف بشكل عام وتزييف العملة يدخل ضمن النصب والاحتيال على الآخرين، وفي هذه الحالة فإن الجهاز النفسي للشخص المزيف والنصاب يتكون من ثلاثة أنساق نسق اللاشعور ونسق الأنا ونسق الأنا الأعلى، وفي تفسيري أنه من أسباب وجود التزييف والنصب أنه يرجع إلى أحد النسقين السيكولوجيين اللاشعور أو الأنا الأعلى . ففي حالة أن التزييف والنصب يرجع إلى نسق اللاشعور، فان تزييف العملة يشكل موضوع رغبات ليبيدية مكبوتة تدفع الأنا إلى تحقيق رغبة ليبيدية مكبوتة.
أما في حالة أن هذا التزييف، يرجع إلى نسق الأنا الأعلى فالأمر مختلف تماما ، ففي هذه الحالة، يدخل الثراء والغنى نموذجا للأنا الأعلى والذي يشكل معيارا من المعايير الواعية الموجهة لسلوك الأنا في علاقته بالواقع وفي علاقته باللاشعور، مما يؤدي بالأنا إلى استحضاره في عمق كينونته الواعية. لكن في كلا المرجعيتين النسقيتين ، فان الأنا يمارس التزييف والنصب، كتعويضا نفسيا برغماتيا في تصريف التوتر المزعج له، تعويضا سيكولوجيا أيضا لضعفه أمام إكراهات الواقع بمختلف آلياته القمعية في تحقيق الرغبات اللبيدية المكبوتة في اللاشعور أو في المقابل كتعويضا للأنا في شعوره بالنقص بسبب وضعه الاقتصادي الفقير المنحرف عن النموذج المثال في الأنا الأعلى .
والنصاب المزيف للعملة يعيش سادية مرضية وعدوانية مفرطة، فهو يتلذذ بتعذيب الآخرين من خلال النصب عليهم بأموال مزيفة.
والمزيف للعملة يتميز بشخصية منحرفة ومتهورة مندفعة يغلب عليها منطق اللذة الذي يلغي تماما منطق العقل والواقع في تقدير وتقييم عواقب الأمور.

ذكرتم الأسباب النفسية، هل هناك أسباب اجتماعية وراء النصب وتزييف الأموال ؟
أولا إن أي شخص لايمكن أن يعيش أنطولوجية معيشية نفسية واجتماعية منفردة ومنغلقة على نفسها ومنفصلة عن أنطولوجية المعيش اليومي للذات الجماعية. ففي لحظة الانعزال المطلق للشخص في أنطولوجيته النفسية والاجتماعية، تحضر في وعيه أنطولوجية الذات الجماعية، من خلال التفكير القصدي الموجه إلى جزء أو عنصر أومظهر من هذه الأنطولوجيا. فعلى حد تعبير جان بول سارتر إن الجحيم هو الآخر. إن الوعي الشقي للذات في سيرورته المتواصلة من خلال الآخر يخلق في الذات استراتيجية التجاوز والتعالي وتغييب الوعي الشقي، وذلك من خلال اندماج الذات في الجماعة بشكل إيجابي، ولكن إيجابية هذا الاندماج لا تتم إلا بتسلق موقع طبقي وهذا لا يحصل إلا بالمال، ومن فهو يضطر إلى تزييف العملة ليصبح ثريا. فرغم وجود العدم الانفصالي القائم بين الشخص والذات الجماعية على مستوى المعيش اليومي يضطر الأنا لحماية نفسه من جحيم الذات الجماعية  بأن يتعالى عليها بالمال . إن في التعالي، إبادة للوعي الشقي للمزيف والنصاب، الذي يؤسسه الخوف والرعب الذي ينتج عن علاقة العداء بين الأنا والذات الجماعية . إن التعالي على الذات الجماعية هو تعويض لعدوانيتها وفي ذلك يضمن المزيف، النصاب اندماجه في الجماعة وتوافقه معها ويعمل على تقويض العداء الواقعي الذي قد يؤسسه سوء التفاهم والاصطدام في سيرورة المعيش اليومي بسبب انزلاق الأنا وانغلاقه، في التمركز على نرجسيته، ونتيجة لخوف الأنا اللاشعوري من الانزلاق في التمركز النرجسي، لا يجد أمامه إلا ممارسة  التعالي على الذات الجماعية بواسطة المال الذي يحصل عليه من خلال تزييف العملة.
ثانيا إن الأشخاص الذين يمارسون النصب وتزييف الأموال هم أصلا يتحدرون من الطبقة الاجتماعية الفقيرة، فيدفعهم الحرمان والحاجة للتزييف من أجل كسب الأموال.
ثالثا أما الذين يمارسونه من الطبقة الميسورة فهم أصلا منحرفون اجتماعيا وخارجين عن القانون.

من خلال كل عمليات تزييف العملة التي تضبط  أو تطالعنا بها الصحف المغربية، يلاحظ أن المزيفين للعملة ينتمون إلى كل الفئات الاجتماعية وإلى كل المواقع في هرم النسق العام بالمجتمع كيف تفسرون هذه الخاصية  ؟
الإجرام والانحراف لا يخص فردا معينا دون آخر، ولا يخص كذلك طبقة اجتماعية دون أخرى، فهو قد يصيب مختلف الأشخاص ومن طبقات اجتماعية مختلفة في حالة إذا ما توفرت العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية المؤدية للانحراف والإجرام، ومن هنا قد نجد ظاهرة تزييف العملة عند جميع فئات المجتمع من الفقير إلى الغني، من الرجل العادي الأمي إلى الرجل المسؤول في قطاع ما.

في اتجاه استجلاء شخصية المزيف للعملة – النصاب ، ما هي في رأيكم الخصائص المشتركة التي تميز شخصية المزيف؟
هناك مجموعة من الخصائص المشتركة التي يشترك فيها الذين يمارسون تزييف العملة والنصب وهذه الخصائص هي كالتالي:
أولا : الكذب فالنصاب يتقن الكذب إلى درجة لا يمكن أن تكتشف تناقضه في خطابه.
ثانيا  يكون أنيقا في هندامه مؤدبا في سلوكاته يتظاهر بالتدين والتقوى والمعرفة الدينية والفقهية.
ثالثا: له قدرة على التحايل والمراوغة.

هل يقتصر حضور الظاهرة بهذه الحدة في المجتمعات المتخلفة أم نجدها في كل المجتمعات بغض النظر عن درجة تطورها، وهل هناك اختلاف أم تشابه في هذا الصدد ؟
كل المجتمعات توجد فيها الجريمة والانحراف بمختلف أشكالها من بينها تزييف العملة و النصب والاحتيال، فهو أيضا يوجد في كل المجتمعات بدون استتناء، في حالة إذا ما توفرت العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية.
–  ما هي في نظركم السبل الكفيلة بمحاربة تزييف العملة والنصب، وكيف يمكن توفير مناعة لدى المواطن ضد هذه الظاهرة ؟
– هناك مجموعة من الطرائق لمواجهة ظاهرة تزييف العملة والنصب وهي:
– أن تكون المقاربة الأمنية قوية جدا في هذا المجال، وأن تكون الدولة قريبة جدا من المواطنين الذين تعرضوا للنصب بواسطة أموال مزيفة وذلك بإجراء مكثف ودقيق لاعتقال المتورطين.
– أن تطبق الترسانة القانونية بقوة و بأقصى العقوبات في حق كل من ضبط أنه يمارس تزييف العملة والنصب على المواطنين بتلك العملة .
– محاولة القضاء على العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية من خلال فتح فرص المعالجة لعلماء النفس وعلماء الاجتماع المغاربة لمعالجة الظاهرة.

أجرى الحوار: الصديق بوكزول

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق