الصباح السياسي

إصلاح الدستور… الثورة الهادئة

خطاب 9 مارس كرس الطابع الدستوري للتعددية ورسخ دولة الحق والمؤسسات وارتقى بالقضاء إلى سلطة مستقلة

ارتفعت وتيرة المطالبة بالإصلاحات الدستورية والسياسية بالمغرب، في الأسابيع الماضية، وانخرطت غالبية الأحزاب في لعبة المطالبة بهذه الإصلاحات. وجاءت حركة 20 فبراير، لتُعطي دفعة قوية لهذه الدعوات، إذ أصبح كل الفاعلين السياسيين يتسابقون لإدلاء دلوهم في الموضوع. وللتاريخ، فإن أهم ميزة طبعت دعوات الأحزاب إلى الإصلاحات الدستورية والسياسية، أنها كانت، بالنسبة إلى جزء منها، مناسباتية، بل كانت بعض الأحزاب توظف مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي ورقة للضغط على النظام، خاصة في لحظات الأزمة، بما يعني أن مطلب الإصلاح الدستوري لم يكن ملحا، ولا خاضعا لإرادة حزبية قوية، ولم يكن نابعا من قناعة سياسية أكيدة، وهو ما يفسر أنه كان مطلبا، يتم طرحه ببرودة وبشكل خجول، لذلك لم يكن الشارع المغربي يُعير أدنى اهتمام للدعوات النابعة من الأحزاب، إذ يعرف أنها كانت موجهة للدعاية، أساسا، وكسب النقط، أكثر مما هي مطالب تتعامل معها الأحزاب بالجدية اللازمة.
وما يكرس هذه النظرة أن بعض الأحزاب، على غرار الحركة الشعبية، كانت، حتى وقت قريب، تتخذ مواقف متحفظة تجاه دعوات الإصلاح، على خلفية أن الدستور الحالي لم يستنفد أغراضه، وأنه يمنح هوامش معقولة للتحرك، والتطور، والانخراط في دينامية التغيير نحو الأفضل.
وجاءت الأحداث المتواترة في المحيط العربي، لتمنح مطلب الإصلاح الدستوري شحنة جديدة، أصبح هذا المطلب يشكل عنوان تحرك الشباب المغربي في 20 فبراري الماضي، ومنه انبثق الحراك السياسي الجديد، إذ تعبأت الأحزاب، التي تحفظت في دعم حركة الشباب، قبل أن تغير موقفها منها، فأصبحت تؤكد أن ما يطالب به هؤلاء الشباب لا يخرج عن نطاق ما “ناضلت” من أجله لفترة طويلة .
وانطلق تنافس محموم بين الهيآت الحزبية، كل حزب يسعى إلى لعب دور الريادة، في مجال الدعوة إلى الإصلاح، وظهرت محاولات للتنسيق لتوحيد الرؤى والمواقف تجاه مطلب الإصلاح، فكانت لقاءات بين قيادات بعض الأحزاب، فيما اكتفت أحزاب أخرى بالتفرج، وانتظار ما ستكشف عنه الأيام.
في خضم ذلك، جاءت ثورة جلالة الملك، في شكل خطاب تاريخي يوم 9 مارس، أعلن من خلاله جلالته عن تعديل دستوري شامل، مما أثار موجة من الارتياح، عبرت عنه مختلف القوى السياسية والمدنية، واقتنع الجميع أن جلالة الملك بصدد إحداث ثورة حقيقية، وأن خطابه جاء في الوقت المناسب.    
ويستجيب الخطاب الملكي، باعتراف الفاعلين والمحللين السياسيين  أنفسهم، لتطلعات المجتمع المغربي، لأنه جاء شاملا وواضحا، وتضمن المطالب الأساسية للقوى السياسية، والمجتمع المدني، والشارع المغربي.
أكد جلالة الملك أن التعديل الدستوري يستند إلى سبعة مرتكزات أساسية، الأول يتعلق بالتكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، وفي صلبها الأمازيغية، والمرتكز الثاني يهم ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، والمرتكز الثالث ينص على الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة،أما المرتكز الرابع، فيهم توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها.
ويرتبط المرتكز الخامس، بتقوية دور الأحزاب في مجال تأطير المواطنين، فيما يهم المرتكز السادس تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة. ويقوم المرتكز السابع على دسترة هيآت الحكامة الجيدة، وحقوق الإنسان وحماية الحريات.
في السياق نفسه، أكد جلالة الملك ضرورة التكريس الدستوري للجهوية المتقدمة، في نطاق وحدة الدولة والوطن والتراب، وهو مشروع بادر المغرب إلى تبنيه، في إطار الدفع بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهات، إلى الأمام، في انسجام مع ترسيخ دعائم الديمقراطية.
بعدما كانت الأحزاب تستعد لتحرير مذكرات تتضمن تصوراتها للإصلاح الدستوري، أصبحت، اليوم، مطالبة بتقديم اقتراحاتها للجنة التي كلفها جلالة الملك بمراجعة الدستور، والتي أسندت رئاستها إلى عبد اللطيف المنوني.
ويتعين على الأحزاب أن تغني عمل اللجنة بمواقفها ورؤاها، موازاة مع تجديد آليات اشتغالها، لتكون في مستوى التحديات الجديدة المطروحة، خاصة أن خطاب جلالة الملك كان واضحا بشأن تعزيز دور الأحزاب على مستوى تأطير المواطنين، ولا شك أن الاستحقاقات المقبلة ستكون حاسمة، وستشكل محكا حقيقيا للفاعلين السياسيين، ولن تسمح الظروف مستقبلا، سوى للأحزاب القوية والجادة لكسب رهان التجذر في المجتمع، ونيل مصداقية المواطنين، وإعادة الاعتبار إليها، باعتبارها مؤسسات ضرورية في كل الديمقراطيات.    

جمال بورفيسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق