الأولى

الأجهزة الأمنية والخطاب الملكي لتاسع مارس

القطع مع المس بحقوق المتهمين والكشف عن مصير ملفات “ديستي” والفرقة الوطنية

جسد الخطاب الملكي الأخير، حسب جل المتتبعين، قطيعة مع العهد «القديم»، حين كانت أجهزة أمنية «معلومة» تنتهك حقوق المواطن، وتزج به في متاهات المتابعات، وتهدده بـ “فتح” الملفات و”إغلاقها”، حسب الأهواء لا القانون.
ولأن الجهاز المعروف اختصارا باسم “ديستي” أصبح “بعبعا” يؤرق كل الحالمين بسيادة القانون، فإن شكايات الحقوقيين حول

ممارساته أصبحت، منذ الخطاب الملكي الأخير، من الماضي، وكل حالة تصنف في خانة “الاختطاف” تفرض المساءلة، حفاظا على سمعة المغرب الذي هبت كل الدول للإشادة بمضامين خطاب ملكه، دون الحديث عن ضرورة مساءلة فرق أمنية أخرى جعلت من الاستماع إلى المتهمين وفتح الملفات “هوايتها” المفضلة.
في قضية مداهمة مقر “الصباح” الشهيرة، أتذكر جيدا غضب أحد المحققين بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، لأنه لم يستسغ تعليمات النيابة العامة بالإفراج عن العبد الضعيف بعد يوم كامل من التحقيق المرهق، فأرغى وأزبد أمام زملائه، وقال في الدولة ما لا يقله مالك في الخمر، وكشر عن أنيابه غيظا لأن النيابة العامة قررت إطلاق سراح الصحافي، ولم تسعفه بالوقت الكافي للزج به في السجن، أمام اندهاش باقي المحققين. فالضابط اعتقد أنه يصنع مجدا بإيقاف صحافي في قضية حرية تعبير، وأن عجزه عن الوصول إلى مصادر خبره، بمثابة فشل لجهاز الأمن، وظل يردد أمام زملائه المحققين عبارات من قبيل “ما تيخليوناش نخدمو… ملي باغين يطلقو الصحافيين علاش يدخلونا حنا في القضية… وبلاد هاذي واش من بلاد”، إلى غيرها من عبارات التهكم التي أبانت نشاز المحقق الذي نقل في ما بعد إلى جهاز آخر تأديبا له في قضايا أخرى.
ألا يستحق عناصر هذه الأجهزة المساءلة أمام الرأي العام حتى لا يعتبر الصمت عن “فضائح” بعضهم بمثابة تزكية لهم، أم أنهم فوق القانون..؟ إنها أسئلة تراود أذهان المواطنين البسطاء الذين يجدون أنفسهم في أقبية تحت رحمة المحققين، دون اعتبار للقانون وحقوقهم في الدفاع عن أنفسهم دون إكراه أو ضغط أو مس بالكرامة.
إن المغرب الحديث، كما تبشر به كل الخطابات الملكية، يفرض القطع مع مثل هذه الممارسات، بإيلاء شكايات المتضررين من شطط بعض الأجهزة أهمية قصوى، فلا يعقل أن تفتح أجهزة “ديستي” والفرقة الوطنية للشرطة القضائية ملفات حول المواطنين وتقرر السكوت عن مصيرها، حتى يتم استغلالها ورقة ضغط مستقبلا، ولا يعقل إطلاقا أن تلتزم النيابة العامة الصمت في مثل هذه الخروقات، فمن حق المتابع أن يعلم مصير قضيته، وإن كان اتخذ فيها قرار الحفظ أو المتابعة، لا أن تلوذ بصمت الكهوف الذي يفتح باب التأويلات والعمل السري لأجهزة عفا الله عنها في الدول الديمقراطية.
إن المتتبع للشأن الحقوقي لطالما لمس غياب الضمانات القانونية في أبحاث رجال الأمن، سواء بمديرية مراقبة التراب الوطني (ديستي) أو الفرقة الوطنية، ومنها احترام الضباط للآجال القانونية للاعتقال وعدم نزع الاعترافات بالضغط النفسي، والكشف عن مصير الملفات، في الوقت الذي سعى فيه المغرب، حسب تقاريره إلى المنظمات الدولية، إلى القطع مع هذه الممارسات… إنها رسالة فقط لمن يهمه الأمر، فمصلحة البلاد تتمثل في احترام القانون لا وضعه في الرف.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق