الصباح الثـــــــقافـي

“كلنا بوعزيزيون”… حين يصير الموت مقدسا

ابن تونس التي تزوجت التاريخ وأنجبت له أختا شقيقة اسمها الثورة

كثيرة هي العبارات التي تبدو لنا سوريالية وبعيدة عن كل واقع معيش.. كثيرة هي معاني هذا الوجود الإنساني حين تتجلى أمامنا بشكل غرائبي على أرض الواقع… غريبة هي حادثة قيام فرد من الأحياء بحرق نفسه حيا في بحث عجيب عن الموت… عجيب هو الموت حين يصير مقدسا… عجيب هو الموت حين تنتكف عن التنطع بذاته مصيبة محترمة ويتحول إلى خلود في الوجود والتاريخ وتراجيديا مجسدة على قارعة الواقع… عجيبة غريبة هي تلك الشجاعة الذاتية التي قادت البوعزيزي في تونس إلى حرق نفسه أمام عربته التي كانت الشاهد الوحيد على فقره ومهانته وموته في عيون نظام ظالم مستبد يحتقر الناس لمجرد أنهم حقراء في نظره.
وكأن حرق الذات صار شمعة تلوي عنق التاريخ بين أصابعها وترغمه على الشهادة بما يرى من عظمة تتجسد أمامه على مضمار الواقع. وكأن الموت والحرق والانتحار صارت قرابين لذات الإله المسمى ديمقراطية ظلت غائبة عن هذا الوطن العربي الغبي ردحا من الزمن حتى شاءت لها أقدار البوعزيزي المتفحمة ذلك اللهيب الذي أحرق الأنظمة والفساد… وكأن الموت صار السبيل الوحيد الأوحد لحياة كريمة… وكأن الموت هو الشرارة التي تشعل وقيد الغضب في خريف الصبر وتؤججه إلى نار مستعرة تأتي على الحاكم واليابس في وطن عربي مثير للحنق والسخط والثورة…
مات البوعزيزي في تونس وفي ذهنه أنه ينتقم لنفسه من نفسه. ومات معه الخوف لأن كل شاب في وطن “الشابي” أحس بذاته تحترق بدورها فوق عربة البوعزيزي المجرورة على محمل القضاء الجائر والقدر الظالم. ولما مات كان عرش الفرعون في تونس يهتز ومعه عروش أخرى بلغتها ألسنة لهب الغضب. هذا البوعزيزي الذي أحرق نفسه كان هو القشة التي قصمت ظهر ذات البعير، وهو نفسه ذلك السيل الذي بلغ الزبى، وتلك السكينة التي بلغت العظم بعد تردد طويل.
جبل كلسي من حجارة مترسبة نحتها الغضب والذل والفقر والمهانة وقلة ذات اليد والحيلة… أشياء كثيرة كانت تعتمل في كل نفس عربية تواقة إلى الحرية وطلاقة اللسان وحيازة القدرة على التكلم والتعبير دون خوف من الجلادين.. فهل يفهم الحكام العرب أننا جميعا بوعزيزيون لم نحترق بعد؟ هل يفهمون أن الموت ضد الطغيان شرف وتاريخ وخلود، وليس بالضرورة مصيبة؟ أفلا يعقلون رأي العين كيف حين ترى الموت أو الانتحار وقد صارا مجدا وخلودا؟ أفلا ينظرون إلى الثورات كيف نشأت وإلى الاحتجاجات كيف تطورت، وإلى المعابد المقدسة كيف دكت أسفل حوافر “أولئك الحقيرين السابقين” الذين استعبدوهم..؟ أفلا يتذكرون أن للتاريخ صنعا يتمرد على السلطة لصالح كل شعب مل من ذاته وحياته وعوزه وبؤسه ومعاناته؟ أفلا ينظرون إلى الجماهير كيف ثارت وإلى الشعوب كيف تمردت وهي الشعوب ذاتها التي كانوا بمعية الغرب المتقدم يعتبرونها محتقرة لا قيمة لها في ميزان الكرامة والبشر، فإذا بها تقوم من تلقاء نفسها لتنتقم من نفسها وتصنع لنفسها مجدا لم يكن يحلم به حتى أكثر المتفائلين تفاؤلا؟
محمد البوعزيزي.. ابن تونس التي تزوجت من التاريخ فأنجبت له أختا شقيقة اسمها الثورة. لقد صرتَ رمزا بعد أن كنت مجرد مواطن استعبده الفقر والقوت وحليفهما “النظام الطاغي المستبد”. لقد حررت تونس ومصر و(قريبا) ليبيا وإن شاء الله اليمن والبحرين والأردن والسعودية والعراق والجزائر وهلم عربا وتجبرا وتسلطا وقهرا… المهم أيها المرحوم العزيز الغالي أنك أعدت الحياة إلى أفئدتنا وأثلجت صدورنا بعد أن أججت بداخلها الغضب من أجلك ومن أجل أنفسنا. لقد علمتنا أن لنا صوتا نصدح به في وجه الظلم والطغاة خارج عرائننا المغتصبة المراقبة. المهم أنك أفهمتنا أن لنا قدرة على الثورة والثأر لذلنا والانتصار لكرامتنا… شكرا لك أيها البوعزيزي العزيز… فأنت وعربتك صرتما رقمين يستدل بهما على التاريخ والكرامة. شكرا لك فقد أنعمت علينا، بعد الخالق، بنعمة الحرية… شكرا لك لأنك أيقظتنا بعد أن متنا، ولأنك أفقتنا بعد أن نمنا… شكرا لك أيها البوعزيزي الرائع.. فها نحن أخيرا خارج أسوار إمبريالية السلطة وعشيقتها الفاجرة السيدة “تسلط”… ولك منا مليون دعوة بالرحمة والمغفرة، وألف شكر أخرى يستحيل في حقها أن توفيك حقك ونصيبك من العظمة والخلود…

عبد الكريم القمش

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق