fbpx
حوادث

ارتباط الجمعيات المهنية القضائية بالحكومة والبرلمان

مجال اشتغال الجمعيات هو اقتفاء مدى انسجام السياسة التشريعية للحكومة والبرلمان مع التزامات الدولة حقوقيا

هناك تمييز واع بين التفكير في السياسة واحترافها هو ما انتهت إليه العديد من الانظمة المقارنة التي تحضر على القضاة المشاركة في الحياة السياسية بالترشح للمهام الانتخابية دون أن تضادر حقهم في القضايا الكبرى بقلم: حكيم الوردي *

إذا كان الإنسان، بحسب أرسطو، حيوانا سياسيا بطبعه، فإن ممارسة القضاء لا تنسجم بداهة والغوص في أوحال السياسة أو التورط في تموقعاتها المتقلبة.
دون أن يعني ذلك الحجر على العقل القضائي للتفكير في السياسة كآلية لتدبير الشأن العام القضائي، والإسهام في النقاش العمومي الرصين حول مساءلة السياسات المرتبطة بقطاع العدالة.
مطمح بسيط ، معتدل، يليق بسلطة قضائية في أفق التشكل. إن إقامة تمييز واع بين التفكير في السياسة واحتراف السياسة هو ما انتهت إليه العديد من الأنظمة المقارنة التي تحظر على القضاة المشاركة في الحياة السياسية بالترشح للمهام الانتخابية، دون أن تصادر حقهم في مناقشة القضايا الكبرى لأمتهم برصانتهم المعهودة ودون أن يكون لعقيدتهم الفكرية امتداد في ممارستهم القضائية داخل المحاكم.
أما بالنسبة إلى جمعيات القضاة لا يتصور دفاعها عن الشأن المهني دون التعبير عن رأي تجاه ما تنتجه مؤسستان تصنعان الحياة السياسية: الحكومة والبرلمان.
فمجال اشتغال الجمعيات هو اقتفاء مدى انسجام السياسة التشريعية للحكومة والبرلمان مع التزامات الدولة حقوقيا، مع صكوك شرعية حقوق الإنسان، وتنظاف بالنسبة إلى الجمعيات المهنية في المغرب، (نظرا لخصوصية الممارسة القضائية المستندة على نظرية النيابة عن الإمام ) مسألة أساسية هي التنبيه لأي انحراف للسلطتين التشريعية أو التنفيذية عن التوجيهات الملكية في تدبير أمور السلطة القضائية.
إن احتراف القضاة في التطبيق اليومي للقانون يمنحهم سلطة معنوية مفيدة للحكومة والبرلمان لصياغة نص جيد سليم من الأعطاب.
 لذلك لم يكن من قبيل الممارسة السياسوية أن تدعو وزارة العدل القضاة والجمعيات المهنية إلى الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، مثلما لم يكن من قبيل التأثير على استقلالية القرار التشريعي مرافعة ممثلي الجمعيات في لجنتي العدل والتشريع حول القوانين التنظيمية.
إن المجازفة بتهديد مستقبل نتائج العمليات الاستحقاقية بتصريحات منفعلة، نابعة عن إخفاق في تنفيذ أجندة سياسية لاعتبارات سوء تدبير النقاش حول قوانين مصيرية، لا يمس بسمعة السلطة القضائية فقط ولكن يضعف سلطة الحكومة، ويشكك في جهود الدولة، ويمنح لخصوم المملكة في الخارج ما يسعفهم على التشهير بنا في المحافل الدولية، ويهدم كل التراكمات الإيجابية التي حققتها ديمقراطيتنا الفتية.
لا يمكن لعاقل أن يصدق ما جاء على لسان بوانو من تواطؤ بين نادي قضاة المغرب و»البام»، ومن احتمال تهديد ذلك للاستحقاقات المقبلة، لأسباب يعرفها قبل غيره، فالانتخابات التي كلف صاحب الجلالة بنكيران رئيس الحكومة بالإشراف عليها هي من مهام وزارة الداخلية بدءا بالقوانين، ومرورا بالتقطيع الانتخابي، فالترشيح والتصويت ثم الإعلان عن النتائج، في حين لا دخل للقضاء في هذا المسار، اللهم ما تعلق بتنقيح اللوائح الانتخابية ثم تحريك الدعوى العمومية في شأن الجرائم التي تمارس لمناسبتها، فالبت في الطعون، وهي أدوار هامشية لا تحسم نتائج الاقتراع، مع العلم أن المكتب التنفيذي لنادي قضاة المغرب لايضم سوى 11 عضوا أغلبهم لا علاقة له بالانتخابات.
فكيف يصدق أن يتحالف مع فصيل سياسي في مواجهة آخر بتسخير سلطة لا يتوفرون عليها؟؟ أكيد أن هناك تقاطبات سياسية حادة، غير مسبوقة في تاريخ الحياة السياسية المغربية، قائمة على التراشق بالاتهامات المجانية، والتصريحات الشعبوية، و السعي إلى كسب مواقع متقدمة في سباق الاستحقاقات المقبلة، ولكن ليس من النضج في شيء أن نقحم القضاة أو جمعياتهم المهنية فيها، طالما لم يثبت بدليل مقبول صدق ما نروج له مجانا.
إن قيادة الأغلبية نحو إصدار بيان بالشكل الذي صيغ به ضد جمعية مهنية للقضاة ، ليس خطأ سياسيا فادحا يضعف خطاب الحكومة وخطاب وزيرها في العدل ويرهن تدبيرها المستقبلي للانتخابات، ولكن واعتبارا للمغالطات المكشوفة التي يحملها يطرح على محك المساءلة صدقية القول ومصداقية الممارسة لدى فصيل رفع شعار التخليق، والصدق والإخلاص في القول والعمل.
هناك سوء فهم كبير من بوانو وغيره للحراك الذي يخوضه بشراسة نادي قضاة المغرب في الدفاع عن قانون لن يطبق إلا على أعضائه، فيخيل إليهم أنه استهداف للبرلمان وتحالف مع الشيطان، هناك تجاذبات نابعة عن انعدام الرغبة في الإنصات للمخالف، وحداثة عهد رجل السياسة بخطاب القضاة الذي خرج فجأة للعلن مجلجلا، فأثار الرعب من كيان وهمي اسمه دولة القضاة، ولكن الذي ينبغي أن يستقر في يقين الجميع أن نادي قضاة المغرب لا يمكن أن يكون لحزب أو جماعه، مثلما ليس لتيار شعار أو لدكان بضاعه على حد تعبير صاحب اللافتات.
 *عضو بنادي قضاة المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق