قضايا خلافية بين الدين والمجتمع يثيرها الباحث في كتابه الجديد صدر حديثا للباحث عز الدين العلام كتاب بعنوان "تحرير الكلام في موضوع الإسلام"، عن منشورات "سليكي أخوين" عبارة عن طبعة ثانية مزيدة ومنقحة للكتاب الذي سبق أن أصدر في طبعته الأولى في 2008 بعنوان "تحرير الكلام في تجربة الإسلام" عن منشورات "دفاتر سياسية"، وما يميز الطبعة الثانية أنها تتضمن فصولا أضافها المؤلف وناقش فيها قضايا إشكالية تتعلق باصطدام الدين بقضايا مجتمعية تستوجب النقاش والتحليل. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" في جولة عبر مقاطع مختارة منه. إعداد: عزيز المجدوب / تصوير: (عبد اللطيف مفيق) في كتابه "تحرير الكلام في موضوع الإسلام" يقترب الدكتور عز الدين العلام من مناطق شائكة في الفكر الإسلامي، أو في علاقة الدين بالواقع، وقدرته على مسايرة التحولات والتغيرات والنوازل التي تقتضي التكيف معها. ويمزج أستاذ العلوم السياسية في عرضه الفكري بين تجاربه الشخصية وتحليلاته الأكاديمية، واضعا العديد من القضايا الإشكالية موضع تساؤل، وهو ما سيتضح من خلال هاته المقاطع المنتقاة من فصول الكتاب كما حررها صاحب "الآداب السلطانية" و"النصيحة السياسية". تصحيحا لخطأ "حكم شرعي" "في كتابه "من ديوان السياسة"، يقول عبد الله العروي عن المغرب: "لنتصوّر أنّ إدارة الحماية فرضت علينا قانون أسرة يمنع تعدّد الزّوجات ويقرّ المساواة في الإرث. وأنّ العمل بهذا القانون طال حتّى تعوّد عليه المجتمع، وأصبحت مصالح الكثيرين مرتبطة بتطبيقه. أكبر الظن أن الدستور الملكي كان يحافظ على الأمر الواقع بتخريجة ما. والدليل على ما نقول هو الحاصل اليوم في الجمهوريات الإسلامية السوفياتية سابقا. لم يحصل فيها تراجع عن إصلاحات البلاشفة...". لو تحقّق هذا الاحتمال، ما كنت لأكتب ما أكتب الآن، بل وما كنّا لنعاين كلّ هذه الضجّة حول مدوّنة الأسرة، وما صاحبها من مطالب تسعى لشيء من العدل بين الجنسين. وبما أن لا شيء من هذا تحقّق، فإنّ هناك حكم شرعي أضرّ بي، والأصّح بابنتَيّ، وكلّفني أموالا كان يمكن أن أصرفها في الكثير من أمور الدنيا لولا هذا الخطأ الفادح. أعلم جيّدا أنّ أحكام الشرع الإسلامي عموما، وخاصة ما تعلّق بالأحوال الشخصية، ذكورية حتى النخاع، وأن ضحيتها الأكبر هي الأنثى. فما الحكاية إذن؟ بعد ما يفوق العقدين من الزمان كأستاذ بالجامعة المغربية، تمكّنت أخيرا من سداد آخر دفعة من دفعات قرض السكن الذي أقطن فيه بمعية أسرتي الصغيرة. بل وأكثر من ذلك تمكّنت أيضا بفضل مساعدة زوجتي، وما وفّرته من نقود، أن نقتني منزلا ثانويا متواضعا قرب أحد شواطئ المغرب نقضي فيه بعض أيام عطلتنا. كانت الأمور تسير بسلام إلى غاية إحدى لقاءاتي مع صديق عزيز يعرف عني الصغيرة والكبيرة. تجاذبنا أطراف الحديث، من هنا وهناك، إلى أن فاجأني بالقول: - طبعا الأعمار بيد الله، وعليك أن تنتبه... قلت: ما هذا الكلام المشؤوم، وما ذا تقصد؟ قال: أنسيتَ أن لك ابنتين؟ قلت: كيف لي أن أنسى ذلك. قال: بمجرّد أن يزورك عزرائيل، لن يتبقى لابنتيك، لا المنزل الذي تقطن فيه الآن، ولا المنزل الثانوي الذي تقضي فيه عطلك. وفي أحسن الأحوال، سيظهر على السطح من يزاحمهما باسم شرع الله. قلت: تقصد الإرث قال: طبعا، ومن غيره، هذا ما تقوله الأحكام والمواريث الشرعية. كانت مفاجأتي كبيرة، وحيرتي أكبر. سبحان الذي لا يسهو ولا ينام. كيف لي أنا الذي كتبت عشرات الصفحات أستنطق بها حضارة الإسلام أن يغيب عن بالي مثل هذا الموقف. فكّرت مليا في هذه الطامة الشرعية التي لحقت بي، فقرّرت أن أحسم الموضوع، وأسدّ كلّ باب "شرعي" يسمح للغير أن يتسلّل منه ويتصرّف في ما يعود حصرا لابنتيْ. وبالفعل، توجّهت ذات صباح نحو مكتب موثّقة شابة كنتُ من بين أساتذتها في كلية الحقوق، وفاتحتها في الموضوع. طلبَتْ مني تهييئ عدد من الأوراق الإدارية، وهو ما قمت به مسرعا. سألتها عن مستحقاتها فأجابتني: لنبدأ بمستحقات إعادة التسجيل والتحفيظ في اسم البنتين، أما أجري أنا، فلن أطلب منك الكثير. أسلمت جيبي لأمر الله تصحيحا لهذا الخطأ الشرعي، وشتمت في خاطري هؤلاء الدعاة المدعين المدافعين عن أحكام ما نزل بها عقل سليم. طبعا، كلّنا يعاين اليوم أنّ مجمل القوانين المغربية، مثلها مثل كلّ قوانين العالم، قوانين وضعية. للمغرب قوانين دستورية استُفتي فيها المواطنون، تسيّر المجال السياسي (أو هذا هو المفروض!). وله قوانين مدنية يحتكم لها عموم النّاس. ورجوعا إلى أحكام الشّريعة في علاقتها بالقوانين، يتّضح أنّ مجالها بدأ منذ زمان في الانحسار، وأنّ "الأحوال الشّخصية" تكاد تصبح آخر طلقات الخلط بين الدين والدنيا. ومن الأكيد أنّها لن تبقى في منأى عمّا يفرضه التّطور الاجتماعي، وأن ساعتها آتية لا ريب فيها". أزمة النصوص القطعية يحتجّ البعض في حرصه على الامتثال الصارم للأحكام الدينية مهما كانت ظالمة، بكون الأمر يتعلّق بآيات "تشريعية"، أو ما يسمونه بالنصوص "القطعية". ولكن، ألا يوجد الكثير من الأحكام الشرعية التي تمّ إهمالها في صمت ودونما أيّ ضجيج؟ من منّا يتحدّث اليوم عن حدود قطع يد السارق أو جلد الزّاني التي تعجّ بها كتب السياسات الشرعية؟ من منّا يتحدّث اليوم عن أحكام الرّق التي لا نزال نردّد الآيات المتعلّقة بها؟ لماذا إذن أكون ملزما بسداد آلاف الدراهم تصحيحا لخطأ حكم شرعي لا شأن لي به؟ لماذا إذن، وهنا أختم كما بدأت، لا نقول كما قال عبد الله العروي: "إنّ أحكاما شرعية أخرى يجوز إهمالها إذا لم تعد فائدتها واضحة (...) تعليق حكم شرعي من طرف البرلمان، لا يعني الحكم ببطلانه مطلقا، لا ماضيا ولا مستقبلا، فليس فيه ما يدلّ على تكذيب أو تسفيه أو مروق أو عقوق (...) مفهوم أنّ البرلمان، أيّ برلمان، لا يستطيع أن يقرّ أنّ الله موجود أو غير موجود، أنّ الكون متناه أو غير متناه (...) كلّ ذلك خارج اختصاصات البرلمان. اختصاصه تشخيص المصلحة العامة، موكلا مهمة تحديد طرق تحقيقها للحكومة." ما بين الجنة والنار تلقيت مكالمة هاتفية من قناة فضائية عربية للمساهمة في برنامج "مختلف عليه" يكون موضوعه "الجنة والنار في الإسلام" من تقديم شخص كنت على علم بتوجهّه النقدي. (...) توجهت ذات صباح إلى إحدى المكتبات المهمة في الدار البيضاء قبالة شاطئ عين الذياب. وبعد بحث بسيط في محتويات المكتبة، تمكّنت فعلا من العثور على بعض المصادر التراثية. وكان أوّل كتاب قرأته هو "كتاب التوهّم" للحارث بن أسد المحاسبي (عاش في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة) الذي لم يكتف بما ورد حول الموضوع من أخبار، بل أرخى العنان لمخيلته، وبدأ قصته منذ خروج الروح من البدن، رويدا رويدا، إلى يوم البعث والنشور، في وصف بالغ الدقة ليوم الحساب، وملاقاة الله بعد طول انتظار يفوق ثلاثمائة سنة تحت حرّ الشمس وتزاحم الأجساد، حيث تعرق الأبدان على قدر مراتبها. فهذا يبلغ العرق كعبيه، وذاك يبلغ العرق شحمة أذنيه على حدّ وصف هذا الفقيه. (...) لم يبدُ لي ما قرأته كافيا، فتصفحت كتابا آخر حول الموضوع نفسه للسيوطي تحت عنوان "الدرر الحسان في البعث ونعيم الجنان"، وكتابا ثالثا لابن القيّم الجوزية بعنوان "حادي الأرواح في بلاد الأفراح". والحقيقة أنّ ما وجدته عند هذين الفقيهين فاق كلّ متوقع في تصويرهما للنعيم الأبدي. فعلى امتداد عشرات الصفحات، تبدأ رحلة المؤمنين الناجين بدخولهم باب الجنة، وهي في الحقيقة أبواب حسب المراتب ودرجات الإيمان. آنذاك، يهبّ نسيم طيب وروائح عبقة، وتصطف القصور والبنايات من الزمرد والياقوت، تحاذيها أشجار وعرائص. ويجد كلّ مؤمن تحت تصرفه جيشا من القهارمة والوصفاء والخدّام والحجاب، وأخيرا ما لا يُحصى من الحوريات المستعجلات للقائه والوثوب عليه، يملأن وجهه بأفواههن، وصدره بنهودهنّ، ناهيك عن أباريق وكؤوس من الخمر والسلسبيل... ما أثار انتباهي في مختلف هذه الأدبيات المقتبسة في عمومها من الإسرائيليات، هو غلبة التصور المادي أو الحسي للعالم الأخر بيوم حسابه وجناته وناره. وحتى الآيات القرآنية تضمنت تصورا بسيطا حسيا ودقيقا للعالم الآخر. هكذا يتم توصيف يوم الحساب بكل التدقيق الحسي والمادي. كما يتم تصوير الجنة، وهي درجات، بكل معطيات الكمال والحسن والالتذاذ الأبدي، حيث الحوريات والولدان، الأنهار والوديان، المأكولات والمشروبات... ناهيك عن تصوير جهنّم بكلّ مواصفات العذاب المبين من نار مستعرة وشقاء أبدي وعطش قاتل. في التناسب إذن بين الحسنات والسيئات، أو بالأحرى في احتساب عدد الحسنات وعدد السيئات، ومن ثم الدخول إلى الجنة أو جهنم، بدا لي أنّ هناك ما يمكن أن أسميه باقتصاد الجنة والنار، نوع من الأخذ والعطاء. ففي يوم الحساب، ولهذه التسمية دلالتها، "يوم تأتي كلّ نفس تجادل عن نفسها"، ويكون الذهول عاما إلى حدّ نسيان الأم لوليدها، يدخل الجنة "من ثقلت موازينه"، ويصْلى نار جهنم "من خفّت موازينه". هكذا تصبح العلاقة بين العبد وربه علاقة خوف وتوجس ومقايضة بدل أن تكون علاقة حبّ وتماه. والحال هذه، ألا تصبح العبادات والطقوس الملازمة لها أدوات ووسائل للعبور نحو النعيم الأبدي واجتناب عذاب جهنم بدل أن تكون "ابتغاء مرضات الله" كما يقولون. تقنية الترغيب والترهيب "بعيدا عن مناقشة الموضوع في جوانبه الدينية، وحتى لا تصبح الجنة ونعائمها مطية لأفعال لا تُحمد عقباها، وحتى لا تكون النار أداة ترهيب وتخويف تحول دون تحقيق الناس ما يرغبون فيه، ركّزت على ضرورة تجاوز تقنية الترغيب والترهيب كأساس لكلّ تربية اجتماعية. فالفرق شاسع بين تربية النشء، أسريا ومدرسيا، على أخلاق مدنية ترتكز على احترام الآخر باعتباره فضيلة إنسانية، يفرضها الاعتراف بالإنسان كقيمة في حدّ ذاته، وبين أن نجعل من هذه الفضيلة وسيلة، لا أقل ولا أكثر، للدخول إلى الجنة. بإيجاز هو الفرق بين أن نبني أخلاقياتنا على أساس مدني، وبين أن نتركها معلقة في آخرة لا ندري لها مستقرا".