باحثون يفككون المواسم الربيعية بالشياظمة وإقليم الصويرة احتضنت الخزانة الوسائطية بالصويرة، أخيرا، فعاليات الدورة الثانية لملتقى ربيع ركراكة، الذي نظمته جماعة زاوية بن احميدة، ومؤسسة نقيب زوايا ركراكة وشركة التنمية المحلية الصويرة ثقافة فنون وتراث بتنسيق مع جامعة شعيب الدكالي بالجديدة والمديرية الإقليمية لوزارة الثقافة، تحت شعار "دور ركراكة من الروحي والتراثي إلى التنمية الترابية المندمجة". وعرف الملتقى مشاركة عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" في أجواء بعض المداخلات التي عرفها الملتقى. إعداد: عزيز المجدوب ـ تصوير: أحمد جرفي (موفدا "الصباح" إلى الصويرة) في مداخلته التي اختار لها الدكتور عبد الرحيم العطري عنوان "ركراكة واقتصاد البركة" توقف أستاذ علم الاجتماع عند تفكيك مدلولات ومعاني "البركة" و"الاقتصاد"، إذ اعتبر أن فعل "بارك الشيء" أي أقام وثبت، والبركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء. أما الاقتصاد، يضيف العطري، في معناه الأصلي ينبني أساسا على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك ثم التدوير أو إعادة الإنتاج، وينبني أيضا على منطق الحساب. وهنا يتساءل صاحب كتاب "قرابة الملح": كيف نربط ما هو مادي بما هو رمزي؟ عندما نتخذ من المقدس الضرائحي وبركة الأولياء، و"الدور" أي مواسم ركراكة الربيعية المتنقلة، أفقا للتفكير؟ ويواصل العطري تساؤلاته: نريد أن نفهم لماذا يفعل الناس ما يفعلونه؟ ولماذا يمارس الناس هذا "الدور"؟ ولماذا يستمر في الزمان والمكان؟ ولماذا يمكن أن نعتبره مختلفا عن بقية المواسم في المغرب؟ ركراكة واقتصاد البركة وفي هذا السياق يقول العطري إن الموسم هو احتفال وتحميل للبركة. نأتي إلى الموسم من أجل جني البركة، ونأتي أيضا من أجل إعادة إنتاج هذه البركة، ولهذا أبدع المغاربة مصطلح "الباروك"، فأنت عندما تأتي إلى الموسم يفترض أن تأخذ "الباروك" الذي تذهب به إلى عائلتك وأقاربك وجيرانك، لأن مهمتك في الحضور ليس فقط أن تجني البركة لنفسك، ولكن أن تقوم بإعادة توزيعها على الآخرين في شكل نقل متوراث. ويضيف أن البركة، في كثير من الأحيان، هي قوة روحية وهي معنى وتمثل بالأساس، ورأس مال رمزي، فعندما نقول شخصا "مباركا" بمعنى أننا نمنحه رأس مال مفارق عن الآخرين. والبركة كاعتقاد مغربي هي قوة فعالة، وهي التي تبرر الكثير من الأشياء. كلنا نطلب البركة ونقوم ببعض الطقوس الاسترضائية لأجل طلب البركة، أحيانا نرش ماء أمام الحانوت أو نقدم "العشور"... وتساءل العطري مجددا: في هذا الموسم المفارق.. كيف نستعيده ونحوله إلى اقتصاد أساسي للبركة؟ وهنا ينبه المتحدث نفسه إلى أن الزوايا في المغرب، هي بمثابة مؤسسة متكاملة، تنبني على إنتاج نموذج مختلف يجمع بين الصلاح والعلم، والخدمة الاجتماعية، والتدوير الاقتصادي لإعادة إنتاج الاقتصاد. واعتبر أن ما يحدث في مواسم ركراكة لا يتعلق بالديني فقط، بل يوجد فيه الروحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والترفيهي، وكل هذا يدخل ضمن ما يسميه "الظاهرة الاجتماعية"، وأن الرغبة في الالتحاق بالبركة حاضرة لدى الجميع، زوارا وتجارا وحرفيين وغيرهم. ويرى صاحب كتاب "بركة الأولياء: بحث في المقدس الضرائحي" أن المدخل الرئيسي لتحويل هذا الموسم لاقتصاد للبركة هو إعادة تثمين هذا التراث، ويقول في هذا الصدد إن "العلم مفتاح الفرج"، أي التشبيك العلمي والتعاون بين الجماعات الترابية والمؤسسات العلمية، واقترح في هذا الصدد إعداد كتيبات تعريفية بالمزارات والأضرحة التي يسلكها "الدور" الركراكي". الأولياء... مدارس النجاح توقف أستاذ علم الاجتماع عند الأولياء، سواء الأقطاب الكبار أو الأولياء المحليين، معتبرا أن كل ولي هو مدرسة للنجاح، إذ تبنى الولاية على الانفصال، فأغلب الأولياء اختاروا أماكن معزولة إما في مواجهة البحر أو في قمم الجبال أو في المغارات والأماكن الغرائبية، أي أنهم ينفصلون مجاليا وثقافيا ويبدؤون في بناء الولاية التي تتطلب العناء وتؤسس، رفقة الكرامة، على العلم والصحبة والعطاء. وشدد العطري على أنه عندما ندرس هذا المخيال الجمعي، لا يجب أن ندخل في مواقف صدامية معه، أو أن نقول إنه يدخل في إطار المعقول أو اللامعقول، بل علينا أن نبحث عن شرطه المؤسس. ويتابع أن اقتصاد البركة في "دور" ركراكة يمتد على 44 يوما، إذ قال عنه إنه الموسم الوحيد الذي يمكن اعتباره متنقلا، ومعه تنتقل البركة، كل شيء بطقس، والطقوس باعتبارها ممارسة تكرارية هي شبكات المعنى التي تعطي المعنى للعالم، مشيرا إلى الإصرار على العودة إلى الروح في المجتمعات الحديثة رغم التقدم التقني والتكنولوجي. في موسم ركراكة، يواصل العطري، نلاحظ إنتاج المعنى وتوزيع البركة وتوزيع الثروة، متوقفا عند مزادات البركة في رحاب المقدس، وتحديدا طقس "الدلالة" حول قالب السكر، هنا المعنى ليس الصراع من أجل الوصول إلى الوجاهة الاجتماعية ولكن هنا التحدي الإنفاقي هو بمثابة توزيع للثروة. ويشير صاحب كتاب "سوسيولوجيا الأعيان" إلى أنه في "دور" ركراكة نعيش زمنا مفارقا، واقتصادا غير مرئي يمكن أن يتحول إلى موسم مدرّ للثروة، وموسم نموذجي في صياغة السياحة الدينية، لأن هؤلاء الأولياء في سيرهم نموذج فعال للتنمية الذاتية، فكل ولي هو قصة نجاح. الأسطورة وعاء آخر للمعرفة في مداخلته التي اختار لها عنوان "بين الزاوية والأمة، ثلاثة مداخل لفهم الإسلام المغربي: بيرك وكنون والسوسي" توقف الباحث أحمد بندلة عند مكونات وخصوصية الإسلام المغربي. واستحضر الباحث بمركز الأبحاث والدراسات حول المجتمعات المعاصرة بالرباط، القصة المأثورة لدى ركراكة والتي تفيد أن سبعة من أجدادهم قصدوا الجزيرة العربية، وتحدثوا إلى النبي محمد الذي فهم كلامهم الأمازيغي من غير ترجمة. وقال بندلة لن نتساءل عن صحة هذه الرواية التاريخية، وإلا لتساءلنا هل اعتقد الإغريق في أساطيرهم؟ معتبرا أن المسألة لا تتعلق بالصدق والكذب، بل في طريقة الاعتقاد، مشيرا إلى أن المجتمعات البشرية لا تؤمن بأساطيرها بطريقة واحدة، بل توظفها في برامج للحقيقة متعددة، وتتشكل حسب السياق الاجتماعي. ورأى المتحدث نفسه أن الأسطورة ليست نقيض المعرفة بل هي وعاء آخر لها، وعاء ينجز ما لا تستطيع الوثيقة المكتوبة إنجازه، لأن هذه الأسطورة أو هذه القصة في الأصل متناقلة شفويا. ويعتبر بندلة أن الرواية الركراكية ليست أسطورة تستدعي التفنيد، بل "قصص"، تستدعي القراءة والتأمل، فالأسطورة والقصص آلية لتجديد الدلالات، وإنتاج البنى الاجتماعية في مواجهة ما يهددها من تفكك، وتشارك الأسطورة في تثبيت العلاقات القائمة وإضفاء المشروعية عليها. ويتابع أن الرواية الركراكية لا تقرأ بمعزل عن هذه المعادلة، ف"الدور" يوحد الركراكيين والشياظمة حول ذاكرة جامعة راسخة، ويشرّع المكانة الروحية والاجتماعية لركراكة في المنطقة، ويربط كل دور ربيعي بذلك اللقاء الأول مع النبي محمد. ولا يؤدي "دور" ركراكة، يضيف المتحدث نفسه، وظائفه عبر الخطاب وحده، بل عبر الطقس، والطقس هو ما يؤدى لا ما يقال، والشكل الذي تأخذه الذاكرة حينما تريد أن تكون ذاكرة، وحين تريد أن تكون تجديدا للمعنى، وتأسيس لما يجمع وهذه هي وظيفة التهيئة التي يؤديها الطقس في كل تقليد حي، ليس لإخبار الجماعة بمن هي، بل إعادة جعلها ما هي، غير أن هذا "الدور" وهذه الرواية لن يفهما إلا في سياق أوسع وهو الإسلام بوصفه أفقا للأمة. خصوصية الإسلام المغربي هنا يفصل بندلة القول في خصوصية الإسلام المغربي الذي ظل يعيش توترا بنيويا بين قطبين لا يتطابقان ولا ينفصلان في الوقت نفسه: ثقافة دينية عالمة تنتظم حول الفقه والإجازة وسلاسل الرواية، وممارسات شعبية دينية تنتظم حول الولاية والبركة والزاوية، ولم يكن هذا التوتر مجرد خلاف بين الصحيح والمنحرف، بل كان في حقيقته القلب النابض لثقافة تحاول، باستمرار، أن توافق بين الكوني والمحلي، وبين العقيدة والتجربة والنص والواقع. وفي المغرب، يقول الباحث، أتاح المذهب المالكي هامشا للتعايش مع هذا التوتر بدلا من إلغائه، ففقهاء المالكية بما أولوه من مكانة للعمل، جعلوا من العرف المحلي مصدرا لاستنباط الأحكام، وفي هذا السياق استحضر حالة العلامة الحسن اليوسي (عاش في القرن 18) الذي درسه عن طريق ما كتبه عنه الباحث الفرنسي جاك بيرك. واعتبر بندلة أن مصالحة اليوسي بين العلم والفقه والتجربة الصوفية تشكل مدخلا لقراءة الظاهرة الركراكية ومساءلتها، فالركراكيون ليسوا مجرد حملة بركة فحسب، بل ورثة تقليد علمي وروحي ضارب في العمق باعتبارهم جماعة مؤسسة. واستحضر الباحث اللحظة السردية المؤسسة لركراكة معتبرا أنه يتضافر فيها معنيان، أولهما الإقرار بأولية ركراكة إسلاما، والثاني أن النبي الذي فهم لغة ركراكة شرّع بفهمه أن هذا الإسلام لا يشترط عروبة لغوية سابقة، وأن الأمازيغي يصل إلى الله بلسانه كما يصل إليه العربي بلسانه. وأكد بندلة أن الرواية الركراكية تذكرنا أن الإسلام المغربي عاش في هذه الأرض حياة طويلة، متجذرة قبل أن تخترع له مفاهيم أكاديمية حديثة، ف "الدور" يجري كل ربيع في الجسد وفي المكان وفي اللغة، وفي أسماء رجاله، ويسكن الذاكرتان معا: ذاكرة الولاية وذاكرة العلم، وهو يؤدي ما عجزت عنه الكتب، أن يقول للعالم إن هذا الإسلام لم يُفرض في هذه الأرض، بل ذهب أبناؤه إليه وعادوا به وحملوه في أسمائهم قبل أن يحملوه في نصوصهم. شواهد الإسلام المبكر اختار الباحث محمد أبيهي "مظاهر الحياة الثقافية والصوفية بالصويرة ومحيطها القبلي: دور ركراكة بالشياظمة نموذجا" عنوانا لمداخلته. ورأى أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الحياة الثقافية والصوفية بالصويرة ومحيطها القبلي ترتبط بسياقات تاريخية مختلفة شهدها إقليم الصويرة. فهذا المجال عرف، قبل الإسلام، انتشار أنماط متعددة من التدين والممارسات الدينية القديمة. وقد أعطت اكتشافات مغارة "بيزماون" بجبل الحديد قراءة أولية حول ارتباط سكان الإقليم بحضارة ذات منشأ محلي من خلال صناعة الحلي. كما أن المجال زاخر بمجموعة من الشواهد الأركيولوجية الدالة على قدم هذه الممارسات الدينية، كمغارة إمين تقاندوت بقبيلة إينكنافن الحاحية، التي زارها السوسيولوجي إدموند دوتي في 1906. وشكلت مرحلة الإسلام المبكر بإقليم الصويرة، يضيف أبيهي، حدثا بارزا، ارتبط، حسب المؤرخين، بحملة عقبة بن نافع بسوس الأقصى والأطلس الكبير، التي كانت سببا في نشر الإسلام بالجنوب المغربي ما بين 670 و675 ميلادية. وبدأت المنطقة ترتبط بالإسلام بعد اندحار الوجود الروماني بالمغرب منذ سنة 476 ميلادية، إلا أن أهم حدث ميز المنطقة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر هو مقاومة الاحتلال البرتغالي لشواطئ الإقليم، حيث اضطلعت زاوية محمد بن سليمان الجزولي بأدوار حاسمة في مقاومة البرتغال. وهو ما ساهم في بروز الزوايا الصوفية على طول شواطئ الشياظمة وإحاحان، بعد اضطلاع الطريقة الجزولية بحمل مشعل مقاومة البرتغال وإعلان المشروع السياسي للدولة السعدية. وكان لدور الطائفة الركراكية حضور تاريخي في أحداث هذه المرحلة، من خلال انخراطها في الأحداث التي عرفها الإقليم منذ بناء الإمبراطوريات المغربية الكبرى خلال العصر الوسيط، حيث عارضت الدولة الموحدية رغم انتمائها القبلي إلى المصامدة. كما برز دور رباط شاكر في تنظيم الحياة الدينية والصوفية خلال القرن الثالث عشر الميلادي، كملتقى لأهل العلم والمتصوفة، وكان للطائفة الركراكية حضور وازن في التأطير الديني والصوفي بهذا الرباط. وارتبطت، يتابع المتحدث نفسه، القبائل بالطائفة الركراكية ارتباطا روحيا وصوفيا، لمكانتها الدينية في المجتمع، وكذلك لتوارد روايات لقاء أسلافهم بالنبي محمد وإعلان إيمانهم برسالته. وهذه الرواية المتوارثة أوردتها العديد من المصادر التاريخية، وتؤسس للمكانة الروحية والدينية للطائفة الركراكية في المجتمع الشيظمي، وهي المكانة الاعتبارية التي حظيت بها الطائفة من لدن سلاطين المغرب، من خلال تعظيمها وتوقيرها بمنحها ظهائر سلطانية، تقديرا لمكانتها الدينية والروحية عبر تاريخ المغرب الديني.