تخلت عن خطاب الشعارات تمهيدا للتحولات الإستراتيجية المقبلة بقلم: الفاضل الرقيبي يبدو اليوم أن قيادة «بوليساريو» لم تعد تجد بدا من الانصياع، ولو على مضض، لإرادة دولية أخذت تتشكل بوضوح أكبر حول ضرورة الحسم مع بؤر التوتر الموروثة من زمن السبعينات، ولم تعد تقبل بأصوات نشاز تستمر في التغريد خارج الخيارات الإستراتيجية التي يرسمها المنتظم الدولي لمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط. فالعالم الذي أعاد ترتيب أولوياته على قاعدة الاستقرار، وأمن الممرات، والحلول القابلة للتنفيذ، لم يعد مستعدا لإطالة عمر نزاعات مصطنعة ظلت تدار لعقود بمنطق التجميد والابتزاز وتدوير الشعارات. ومن هذا المنظور، لا تبدو التصريحات الأخيرة لما يسمى «وزير خارجية بوليساريو» محمد يسلم بيسط، مجرد زلة خطابية أو اجتهادا فرديا معزولا، بل تندرج في سياق أوسع عنوانه أن الجبهة، ومعها عرابوها، بدأت تدرك أن هامش الإنكار يضيق، وأن اللغة القديمة، التي كانت تصلح لتأجيل الاستحقاقات، لم تعد قادرة على تعطيل مسار دولي يريد أن يطوي هذا الملف وفق منطق الواقعية السياسية، لا وفق أوهام البلاغات الثورية التي استهلكها الزمن. وقد جاءت تصريحات بيسط في لحظة شديدة الدلالة، تزامنت مع احتفالات «بوليساريو» بمرور خمسين سنة على تأسيس «الدولة الوهمية»، وهي مفارقة لا يمكن أن تمر دون توقف. ففي الوقت الذي كانت فيه قيادة الرابوني تحاول، عبر طقوس الخمسينية، تغذية أوهامها القديمة، واستعادة لغة الاستعراض الرمزي، لإيهام سكان المخيمات بأن التنظيم ما زال حيا، كانت تحرص، في الآن نفسه، على ألا تحرق سفن العودة نهائيا أمام أي ترتيبات مقبلة. ذلك أن هذه الاحتفالات، في جوهرها، أصبحت أداة لتدبير الزمن، وتأجيل الاعتراف بما تعرفه القيادة في قرارة نفسها أنه لحظات احتضار تنظيمها المتهالك، وأن السؤال الحقيقي داخل دوائرها لم يعد: كيف تبعث الفكرة من جديد؟، بل، كيف تضمن موطئ قدم آمن داخل الترتيبات المقبلة؟ ومن هنا، فإن هذا الجمع بين خطاب الاحتفال ولغة الانفتاح الحذر لا يعكس انسجاما في الرؤية، بل يكشف عن عقل سياسي مرتبك يريد أن يواصل تسويق الوهم للداخل، دون أن يغلق تماما أبواب المناورة والنجاة أمام نفسه. وفي هذا الإطار، أشعلت تصريحات بيسط موجة واسعة من الجدل داخل مخيمات تندوف، لأنها صدرت بلهجة بدت، قياسا على الخطاب المعتاد للجبهة، أقل تصلبا وأكثر استعدادا لالتقاط الإشارات القادمة من الخارج. وحين يلمح قيادي بهذا المستوى إلى انفتاح على المقترح المغربي بجدية غير معهودة، فإن الأمر لا يمكن عزله عن الشعور المتنامي داخل القيادة بأن الاستمرار في اللغة القديمة لم يعد يضمن لها سوى مزيد من العزلة. ليبقى التخبط والتيه عنوانا للمرحلة بالفعل؛ فقيادة الرابوني تعرف أنها تساق نحو نهايتها، لكنها لا تملك الشجاعة النفسية والسياسية للاعتراف بذلك دفعة واحدة، فتتمرد أحيانا وتمتثل أحيانا أخرى، وترفع شعارات التصلب حين تخاطب جمهورها الداخلي، ثم تعود لتختبر لغة أكثر مرونة كلما ازداد الضغط الدولي وتقلصت خيارات المراوغة. ويزداد المشهد تعقيدا مع المعطى الداخلي، الذي لا يقل أهمية عن التصريحات نفسها، والمتمثل في تعيين البشير مصطفى السيد على رأس ما يسمى «برلمان المخيمات». فهذا التعيين يفتح الباب أمام قراءة أعمق تتصل بإعادة توزيع المواقع داخل الجبهة، في أفق أي مفاوضات مقبلة. فالرجل، بما راكمه من وزن رمزي داخل التنظيم، وبما عرف عنه من مواقف لا تنسجم دائما بشكل كامل مع المزاج الجزائري الرسمي، قد يتحول إلى واجهة تفاوضية تستعمل عند الحاجة لإضفاء قدر من الجدية أو التوازن على صورة الوفد المقبل، وكذلك للزج به في مرحلة الانحناء الإجباري أمام التحول الدولي لتتقي القيادة سلاطة لسانه ومحاولة تشويشه على أي اتفاق. أما التعاطي الجزائري الحذر، بل الصامت أحيانا، مع تصريحات بيسط، فهو في حد ذاته جزء من الرسالة. فكون هذه التصريحات خرجت عبر القناة الدولية الجزائرية، التابعة للمؤسسة العسكرية، يرفعها فوق مستوى الاجتهاد الفردي، ويجعلها محاطة بغموض مقصود لا يمكن فصله عن طبيعة التوازنات داخل النظام الجزائري نفسه. فمثل هذه الإشارات لا تمر عادة دون غربلة دقيقة، ولا تبث في هذا التوقيت إلا إذا كانت تخدم حاجة ما داخل دوائر القرار، سواء تعلق الأمر باختبار ردود الأفعال، أو بإرسال بالون جس نبض، أو بالتهيئة التدريجية لتحول لا يريد العسكر أن يعلنه بصيغته الصريحة دفعة واحدة. ويأتي ذلك في لحظة دبلوماسية مأزومة تتوالى فيها الانتكاسات على «بوليساريو»، كما حدث مع سحب مالي وكينيا اعترافيهما بها، ما يعمق الحرج الجزائري، ويكشف أن الرهان الذي استثمرت فيه عقودا من الدعم والمال والدعاية لم يعد يملك الصلابة نفسها في المحافل الدولية والإفريقية. ومن هنا، يمكن فهم الصمت الجزائري، لا بوصفه حيادا، بل بوصفه شكلا من أشكال إدارة الحرج، حيث يدرك الراعي أن اللغة القديمة لم تعد قابلة للبيع، لكنه لم يقرر بعد كيف يترجم هذا الإدراك إلى موقف واضح.