fbpx
الصباح الثـــــــقافـي

تـخـصـيـب بـويضــة الـثـورة

ثورات العالم العربي طرحت إشكالية حول دور المثقف في المجتمع

طرحت الثورات القائمة في العالم العربي إشكالية حول دور المثقف في المجتمع، وهو دور سال حوله المداد أنهارا منذ اكتشف البشر وجود ذلك الثالوث المقدس في العلوم المرتبطة بالوجود الإنساني، أي مثلث “السلطة والمثقف والمجتمع”، أما الإشكالية فهي في حد ذاتها محرجة للغاية بالنسبة إلى المثقفين على وجه التحديد، إذ أن من المفترض فيهم أنهم يمثلون بقعة الضوء والشعلة التي تقود المجتمع نحو الخلاص من سلطة الحاكم الظالم في المجتمعات المتخلفة، والتي تقود مشعل التقدم وترفع البلد على أكتافها بمعونة من سواعد السياسة والشعب بالنسبة إلى البلدان المتطورة.
تساءل الناس من العوام والخواص في تونس ومصر وليبيا والعديد من البلدان العربية الأخرى، عن دور المثقف في هذه الثورات الثلاث بالكثير من الشك.  وذهب البعض منهم إلى القول إن المثقف لم يفعل شيئا يذكر، وإنه اكتفى بالاختفاء خلف ظهور العامة من شباب الثورة إلى أن تأكد من نجاحها فظهر أخيرا ليدلي بدلو كان الأجدر به الإدلاء به قبل ذلك بكثير… ولكن الاقتيات على الثورة ليس حقيقة هو الدور الوحيد الذي قام به المثقف في ثورات العالم العربي. فالمثقفون ثلاثة أصناف، ساهم كل منهم على طريقته في الإعداد لخروج الثورة إلى الوجود العربي القاحل.
أولا هناك ذلك الصنف من المثقفين الذين آثروا السلامة مرفوقة بالحظوة وانضموا إلى صفوف الحاكم وحاشيته ليس من أجل نضم أشعار البلاط هذه المرة، بل من أجل التنظير لأسباب نزول النظام السياسي، والاجتهاد في تحويل الشمولية والديكتاتورية والحكم الفردي إلى نظام ديمقراطي بجرة قلم وكيس من دراهم معدودات، فلا يكاد المثقف في هذه الحالة يفعل شيئا لصالح الوطن إلا ما انزوى منه في ركن الطبقة الحاكمة حين يكون الزعيم هو الوطن، ويكون الوطن هو ذاته الزعيم، ولا يكون هنا سوى قلم أجير لملاكه الحصريين، يتبادل معهم مصالح الاستعباد والاستغناء (من الغنى) وقضاء الحوائج الطارئة… أما الفئة الثانية، فهي ذلك النوع من المثقف الذي آثر السلامة أيضا، ولكن خارج أرض الوطن وأهواء الحاكم، في المهجر حيث ترفع العقائر بالحق ومعها الأصوات النفاذة إلى أعماق الحقيقة كما تتجلى في الوطن، فيقولون للحاكم المستبد ما لا يقال له في السر أو العلن، ويهاجمه بالحجج والبراهين على فساد عقيدته السياسية وفساد حاشيته وحكمه الفردي المستبد فيفضحون الجميع على الملأ من القنوات الفضائية المترصدة، فتشرئب الأعناق إلى هذه الأفواه المفوهة ويصير الجهل بالحال والأحوال لدى المواطن المتتبع أثرا بعد عين… وأخيرا هناك الفئة الثالثة، وهي فئة غير ذات عدد مهيب، أو أعضاء كثر، لأنها فئة لم يؤثر أصحابها السلامة في شيء، ولا هم آثروا الحظوة أو المكانة أو الغنى، واختاروا اتهام الأسد بالوحشية مباشرة في وجهه… والمثقف في هذه الفئة يكون مستفزا جدا للحاكم إلى درجة أنه يتحول بالفعل إلى بطل في أعين الجماهير، مما يكسبه مناعة لاحقة تكفيه شرور الملاحقة والسجن والتعذيب، وهو ما يضطر الحاكم إلى مجابهته بالتجاهل تارة وعرض الجزر أحيانا أخرى، والتلويح بالعصا في مرات لاحقة… أي علاقة كر وفر تكون فيها جلاميد الصخر دائما على وشك الانقضاض على بعضها البعض من “عل”… ولعل أحمد فؤاد نجم، الفاجومي، شاعر مصر المشاغب، أبرز منتم إلى هذه الفئة من المثقفين.
ولكي نخلص إلى أن المثقف كان حاضرا في الثورات الثلاث، ولو بشكل مستتر تقديره “نحن هنا”، فلنر كيف أسهمت كل فئة من موقعها في إعداد الأجواء السابقة على الثورة، ولنبدأ من الفئة الثالثة. فهذه الجماعة هي بحق من يعود لها الفضل في إحراز قصب السبق في النبش والحفر في جليد الخوف العربي، العائم فوق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، فهؤلاء الذين يخرجون على الحاكم بالكلام الذي لا يريد الاستبداد بكل أشكاله أن يسمعه، هم الذين نزعوا الرهبة من “الدولة البوليسية” التي كانتها البلدان الثلاثة من قلوب الشعوب المغلوبة على كل أمورها. صحيح أن الشعوب العربية لا تقرأ، ولكنها تسمع على الأقل. وحاسة واحدة إذا اشتغلت سقطت سنة الفهم عن باقي الحواس. فذاك المواطن البسيط المحروم من أبسط ضروريات الحياة من أكل وتعليم وتطبيب وحرية وكرامة، يكون مستعدا للغضب ولعن الحاكم ألف مرة في اليوم. وهذا الشحذ والتراكم لمشاعر الغضب يشكل المقدمات الحتمية للثورة والتطاول على الخطوط الحمراء الشهيرة في مجتمع عالمي مفتوح يزكي هذا التوجه نحو الثورة. ومن خيط هذا المجتمع العالمي المفتوح، نمر إلى دور الفئة الثانية في إذكاء روح الثورة داخل الأفئدة، فهذا العالم الحاضر قد انفتح على بعضه بطرق غير مسبوقة، إذ أن الأنترنت واتساع رقعة الفضاء التلفزي جعلت اختفاء المعلومة خلف تلابيب الحقيقة أمرا مستحيلا بالمرة، والمعارضون لأنظمة الحكم المستبدة صاروا يظهرون بالصوت والصورة على القنوات الفضائية لتوعية المواطنين وتأليبهم على الحكام الفاسدين، فعوضوهم بدورهم عن الكتب التي لا يقرأونها والثقافة التي لا يقبلون عليها و صاروا لهم بمثابة الأستاذ للتلميذ النجيب.
هنا يأتي ذكر الفئة الثالثة، وهي في الدرك الأسفل من الثقافة، ليس لأنها انتمت إلى سدنه الحكم المستبد، بل لأنها فئة توقفت عن التفكير الذاتي الفعال منذ أزمنة بعيدة، ما دامت قد صارت لا تقوم إلا بدور “الروسيكلاج” الثقافي، وإعادة تكرار الكلام المكرور على الأسماع بصيغ متعالمة هذه المرة، وهم فئة لعبت دورها عن طريق إحراق كل أدوارها المحتملة إزاء المجتمع. وبهذا يسهمون بتخصيب بويضة الثورة من حيث لا يعلمون…

عبد الكريم القمش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق