حرق النفايات في الهواء الطلق بمطرح عشوائي وروائح الإسطبلات تخنق المدينة تعيش تارودانت وضواحيها، منذ الأيام الأولى من شهر رمضان، على وقع ما يشبه جريمة بيئية مكتملة الأركان، بعدما تحولت سماء المدينة إلى مصدر لمعاناة يومية، بسبب انبعاث روائح كريهة وقوية قادمة من إسطبلات تربية الأبقار التابعة لإحدى التعاونيات الفلاحية، المتخصصة في إنتاج الحليب. تزداد حدة هذا الوضع البيئي المقلق مع استمرار حرق النفايات في الهواء الطلق بالمطرح العشوائي بمنطقة "لاسطاح"، حيث تتصاعد سحب من الأدخنة الكثيفة المختلطة بروائح خانقة تزحف نحو الأحياء السكنية، في مشهد بات يختزل حجم الاختلال البيئي الذي تعيشه المدينة. ومع تغير اتجاه الرياح خلال الأيام الأخيرة، أصبحت هذه الروائح الكريهة تجد طريقها مباشرة إلى منازل السكان، لتتحول ليالي رمضان، التي يفترض أن تسودها الطمأنينة والسكينة، إلى ساعات من الضيق والاختناق، وبين أدخنة المطرح وروائح الإسطبلات، يجد سكان تارودانت أنفسهم أمام واقع بيئي خانق، يطرح أكثر من علامة استفهام حول حماية الحق في بيئة سليمة وهواء نقي. دق ناقوس الخطر دقت فعاليات حقوقية وجمعوية وسياسية ناقوس الخطر، بشأن الأضرار البيئية والصحية الخطيرة الناتجة عن حرق نفايات المطرح الجماعي غرب المدينة، والروائح الكريهة المنبعثة من إسطبلات تسمين العجول. كما وجهت مراسلات إلى مختلف المتدخلين، من مسؤولين حكوميين ومحليين، من بينهم وزراء الداخلية والصحة والانتقال الطاقي، مطالبة كل جهة من موقعها بالتدخل العاجل والفوري لوضع حد لهذا الكابوس الذي يخنق أنفاس المواطنين. وأكدت هذه الفعاليات أن الوضع البيئي والصحي لم يعد يطاق، وأصبح مصدر قلق دائم لسكان الأحياء المجاورة وعموم سكان المدينة، مشيرة إلى أن المشكلة تتفاقم يوما بعد يوم، في ظل ما وصفته بـ"الصمت المطبق والتجاهل التام"، من قبل السلطة الترابية والمنتخبين. وأوضحت أن هذه الكارثة البيئية ليست جديدة، لكنها تزداد سوءا بسبب تجاهل الجهات المعنية للشكاوى والمراسلات المتعددة، التي سبق أن رفعها المجتمع المدني والسكان المتضررون دون أن تلقى أي استجابة فعالة. وفصلت الرسالة المفتوحة معاناة المواطنين، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين الروائح الكريهة المنبعثة من الإسطبلات شرق المدينة، والأدخنة السامة الناتجة عن حرق أطنان من النفايات يوميا في المطرح العشوائي غربها. كما أن غياب أي معالجة أو مراقبة لنفايات المطرح يهدد بشكل مباشر الفرشة المائية ويلوث الأراضي، كما يفاقم معاناة المصابين بأمراض الجهاز التنفسي والعيون، وينذر بتفشي أمراض خطيرة بين سكان الأحياء المجاورة، مما يحرمهم من حقهم الأساسي في العيش في بيئة سليمة. ودعت الفعاليات إلى إيفاد لجن بيئية متخصصة للوقوف على حجم الأضرار، وتفعيل مقتضيات القانون رقم 28.00، المتعلق بتدبير النفايات، وتنفيذ القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، إلى جانب اتخاذ التدابير الصحية اللازمة لحماية البيئة، طبقا للقانون التنظيمي للجماعات، مع إرساء آليات منتظمة للمراقبة البيئية. إقبار المطرح الجماعي تتفاقم معاناة سكان تارودانت، بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من المطرح العشوائي للنفايات الموجود قرب المدينة الجديدة "لاسطاح"، والذي أصبح مصدر إزعاج دائم للسكان وتهديدا بيئيا وصحيا يزداد حدة مع ارتفاع درجات الحرارة. ورغم الشكايات المتكررة، التي رفعها السكان إلى الجهات الوصية لرفع الضرر الناتج عن هذا المطرح، ما زال مشروع إنجاز المطرح الجماعي لتدبير النفايات المنزلية يراوح مكانه، رغم أنه مبرمج منذ أكثر من عشرين سنة، وقد تم تحديد البقعة الأرضية التي ستحتضنه بجماعة المهادي، بعد إعداد مكتب الدراسات المكلف للمخطط المديري لتدبير النفايات ومشروع المطرح الإقليمي لتارودانت، الذي كان من المنتظر أن تستفيد منه حوالي 40 جماعة بالإقليم. ورغم تعثر إنجاز هذا المشروع، لا تحرم تارودانت وحدها من مطرح مراقب وحديث، بل تحرم أيضا عشرات الجماعات من بنية أساسية بيئية كفيلة بالحد من مظاهر التلوث، فالعديد من جماعات الإقليم ما زالت تلجأ إلى التخلص من النفايات المنزلية بطرق عشوائية، تصل أحيانا إلى تفريغها مباشرة في الأودية، في حين تستمر جماعة تارودانت، عاصمة الإقليم، في إفراغ مخلفات النفايات بالقرب من المركب الجامعي. وأصبح إخراج هذا المشروع البيئي إلى حيز الوجود ضرورة ملحة، خاصة بعدما تم تعطيل إنجازه في أكثر من مناسبة، إذ كان مقررا في البداية إقامته بجماعة مشرع العين، قبل أن يتم نقل موقعه لاحقا إلى جماعة المهادي، غير أن المشروع ظل معلقا، وسط حديث عن تدخل جهات نافذة عرقلت إنجازه، بسبب قرب موقع المطرح المقترح من بقع أرضية مخصصة لمشاريع سكنية تعود لمتنفذين بالإقليم. منع وقفة "الروائح" دعت فعاليات جمعوية وحقوقية إلى تنظيم وقفة احتجاجية بساحة أسراك، الأسبوع الماضي، للتنديد بالروائح الكريهة التي تخنق تارودانت، غير أن السلطات المحلية تدخلت ومنعت تنظيمها، مقابل تقديم وعود بإيجاد حلول لهذه المشاكل البيئية. ورغم أن هذا المشكل ليس وليد اليوم، فقد طالبت الهيآت نفسها السلطات الإقليمية بالتدخل الحازم وإيجاد حلول تقنية عاجلة لمعالجة مخلفات الإسطبلات والمطرح العشوائي، حتى يتمكن السكان من فتح نوافذ منازلهم واستنشاق هواء نقي، بدل معاناة يومية مع روائح روث الأبقار، الناتجة عن عدم احترام شروط ومعايير حسن الجوار، والتعجيل بإنجاز مطرح النفايات الجماعي الحديث. عبد الجليل شاهي (أكادير)