بقلم: كمال الهشومي(*) شهدت الساحة المهنية والقانونية، خلال الأسابيع الأخيرة احتداما غير مسبوق بين جمعيات هيآت المحامين ووزير العدل، على خلفية مشروع قانون المهنة، في سياق اتسم بسياسة شد وجذب وتصعيد ميداني ترجم في إضرابات عامة بمحاكم المملكة لعدة أيام، وهو وضع أعاد إلى الواجهة إشكالية دقيقة، تتعلق بضمان حقوق المتقاضين واستمرارية المرفق القضائي. وأمام مناخ القطيعة وانسداد قنوات الحوار بين الطرفين، تدخل رئيس الحكومة، في إطار صلاحياته الدستورية والقانونية، عبر تشكيل لجنة للحوار مع الهيآت المهنية، في محاولة لبلورة أرضية توافقية تخفف من حدة التوتر. غير أن تصريح وزير العدل، الذي اعتبر فيه أن تدخل رئيس الحكومة يندرج ضمن "ممارسة مهامه الدستورية والسياسية لأعمال مسطرة التحكيم"، يثير سؤالا دستوريا جوهريا يتصل بحدود الاختصاص داخل الهندسة الدستورية، وبالتمييز الدقيق بين وظائف القيادة الحكومية ووظيفة التحكيم ذات الطبيعة السيادية. فالمقاربة الدستورية السليمة تقتضي، في مثل هذه الحالات، الانطلاق من منطق التمايز الوظيفي، لا من منطق التماثل الظاهري بين الأدوار. ذلك أن البناء الدستوري المغربي واضح في هذا الباب، فالملك، بصفته رئيس الدولة وممثلها الأسمى، هو الضامن لاستمرارها واستقرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات بمقتضى الفصل 42. وهي وظيفة تحكيمية ذات طبيعة سيادية عليا، تمارس لضبط التوازن بين المؤسسات عند الاختلال، وتظل منوطة بالملك حصريا ضمن منطق التحكيم الدستوري بين السلط. في المقابل، يمارس رئيس الحكومة مهامه في نطاق القيادة الحكومية والتدبير التنفيذي، وفق ما يقرره الفصل 90 من الدستور، الذي يجعله قائدا للعمل الحكومي، منسقا بين أعضائه، ساهرا على تنفيذ البرنامج الحكومي، وممارسا للسلطة التنظيمية. كما يكرس الفصل 92 مبدأ التداول والتضامن الحكومي داخل المجلس الحكومي، بما يؤكد أن وظيفة رئيس الحكومة تظل داخلية ضمن الجهاز التنفيذي، تقوم على التنسيق والتوجيه والتدبير، لا على التحكيم بين سلط دستورية مستقلة. وبهذا المعنى، لا يوجد في الوثيقة الدستورية تحكيم دستوري مخول لرئيس الحكومة بالمعنى الصارم، وإن كان يمارس، بحكم موقعه، وظائف توفيقية أو تنسيقية ذات طبيعة سياسية وتدبيرية داخل الأغلبية الحكومية أو بين القطاعات الوزارية. وهي وظائف مشروعة وضرورية لحسن سير العمل الحكومي، لكنها تظل متميزة عن وظيفة التحكيم الدستوري ذات الطبيعة السيادية. وتؤكد الممارسة الحكومية بعد دستور 2011 هذا التمييز بوضوح، من خلال العديد من الأمثلة. فقد كلف رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران الوزير نبيل بنعبد الله برئاسة لجنة لمراجعة دفاتر تحملات الإعلام السمعي البصري، في سياق تدبير أزمة قطاعية، وهو إجراء تنسيقي سياسي لم ينقل الاختصاص القانوني للقطاع، بل فعل سلطة التنسيق لضبط توازنات الأغلبية. كما دأبت وزارة الداخلية على لعب أدوار تنسيقية موسعة وحاسمة في ملفات تتجاوز اختصاصها الضيق، بحكم موقعها المحوري في التنسيق الترابي، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى التحكيم الدستوري بين السلط. ويبرز مثال إسناد الإشراف على برنامج "فرصة" إلى وزيرة السياحة، رغم رصد اعتمادات البرنامج ضمن ميزانية وزارة الإدماج الاقتصادي، نموذجا حديثا لتفعيل سلطة التنسيق الحكومية في صورتها الموسعة، حيث جرى الجمع بين تمويل قطاعي أصلي وقيادة تنفيذية مختلفة، في إطار إعادة تموقع وظيفي للبرامج الحكومية تحت إشراف رئيس الحكومة، دون أن يحمل ذلك أي حمولة تحكيمية بالمعنى الدستوري الدقيق. وعليه، فإن توصيف تدخل رئيس الحكومة بمفهوم "التحكيم" لا يستقيم دستوريا في مدلوله الصارم، لأن وظيفة التحكيم، في الهندسة الدستورية المغربية، تظل وظيفة سيادية عليا مرتبطة بضبط التوازن بين المؤسسات وضمان استقرارها، وهي وظيفة أسندها الدستور صراحة إلى الملك. أما رئيس الحكومة، فيبقى منسق السلطة التنفيذية الحكومية في إطار التضامن والمسؤولية السياسية، يمارس التنسيق والتوجيه والتدبير، لا التحكيم بين السلط. حين يتكلم الدستور في مهام التحكيم، فإنه يرسم حدود الاختصاص بدقة، حفاظا على سمو الوظيفة التحكيمية وعلى توازن البنيان المؤسساتي. فتمييز التنسيق الحكومي عن التحكيم الدستوري ليس تمرينا نظريا، بل ضمانة جوهرية لاستقلال المؤسسات وصيانة المصالح العليا للدولة، بعيدا عن ضغط اللحظة وتجاذبات السياسة. (*) أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق اكدال - الرباط