fbpx
الصباح الثـــــــقافـي

واسيني الأعرج: لا أرى الجزائر بدون المغرب

الروائي الجزائري استهجن خلق الأسوار بين الشعوب الواحدة

“المغرب امتداد روحي وثقافي وحضاري، ولا أرى الجزائر بدون المغرب»، بهذه الكلمات، عبر الروائي الجزائري واسني الأعرج عن عمق العلاقة التي تربطه بالمغرب «الممتد فيه» فضاء وأناسا.
واستهجن واسيني الأعرج، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، «خلق الأسوار» بين الشعوب الواحدة، متسائلا بحسرة «كيف أصبح الجزائري مستحيلا على المغربي والمغربي مستحيلا على الجزائري ؟».
وأمام حرقة السؤال ووقعه المستفز، لم يجد الروائي الجزائري بدا من الاحتماء بالذاكرة والنبش في حفرياتها، مستعيدا أيام الصبا في مغنية «قريبا من الحدادة (الحدود) مع المغرب»، ليحكي بنبرة مفعمة بالحنين كيف كان في صباه يدخل مدينة أحفير ليشاهد الأفلام بقاعة سينمائية قديمة.
يقول واسيني الذي حضر فعاليات الدورة 17 للمعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، «كبرت في مغنية وكنت أذهب للسينما في أحفير على بعد خطوات… لاحظ معي هذه المزايا التي كنا نتمتع بها رغم الفقر والصعاب… إن المغرب في الحقيقة امتداد روحي وثقافي وحضاري، ولا أرى الجزائر بدون المغرب». علاقة واسيني بالأمكنة والفضاءات بكل تفاصيلها، غريبة، ووطيدة حد التملك… يتذكر طفولته بمغنية… الحمام التركي… تمثال مصنوع من المرمر على الطراز اليوناني، منصوب على شكل امرأة نصف عارية… لا تخدش الحياء، يداها مفتوحتان وبهما عصفور يحاول الطيران… عندما تمطر السماء تنعكس على التمثال أشعة الشمس… يتأسف بحسرة، بعد الاستقلال تم تدمير هذا التمثال بحجة أنه من بقايا الاستعمار، ونصبت مكانه كتلة إسمنتية»… هذا يعني أننا لا نرتاح إلا إذا كسرنا الأشياء الجميلة فينا».
واسيني الأعرج الذي كتب عن دمشق والجزائر والرباط … لا ينسى أبدا تلمسان، «إنها ذاكرتي الحية التي أدافع عنها باستماتة، فيها أنشأت العلاقة الأولى بالمدينة بمعنى المدينة، وفيها تعلمت أن أحب المدينة أكثر من القرية رغم أنني ابن القرية في الجوهر، من تلمسان انطلقت نحو المدن الكبرى… باريس مدينة الاستقبال في لحظات الأزمة (1994)، أدين لها بالكثير، لأنها هي التي منحتني فرصة الكتابة والحياة والعمل». أما الرباط، يضيف الأعرج، فهي «مدينة دافئة وجميلة، عشت فيها بعضا من أجمل اللحظات… إنها مدينة الحب والشعر الإنساني بالمعنى الشخصي الداخلي وليس بالمعنى العام”.
ارتباط واسيني الأعرج بالأمكنة والفضاءت ووفاؤه لها لا يوازيه سوى عشقه الكبير للشخوص الروائية التي أثثت تجربته السردية، والتي تحدث عنها بإسهاب واضعا شخصية مريم التي ظهرت في عدد من أعماله في الميزان، قبل أن يعرج على رواية «أنثى السراب».
«علاقتي دافئة مع شخصياتي»، يقول واسيني، مستبعدا أن تحاكمه شخصياته كما حدث للروائي السوري حنا مينه في «النجوم تحاكم القمر»، التي يمثل فيها الراوي (عناد الزكرتاوي) أمام شخوص الروايات السابقة للكاتب.
“فعل المحاكمة غير وارد»، ينفي واسيني، «لكن هناك شخصيات مهيمنة ومسيطرة على رواياتي مثل شخصية مريم التي تتكرر في الكثير من النصوص ك»ضمير الغائب» و»سيدة المقام» و»طوق الياسمين»… فكرت أن أتخلص منها إلا أنني توصلت إلى أن ذلك غير ممكن، فالأمر مجرد لعبة أدبية والكاتب يخلق صراعا بين وجود جسدي ووجود افتراضي، بين الواقع والمخيال ويقف بين هذه المسافة الروائية».
الحديث إلى واسيني الأعرج سفر مفتوح على الماضي، مستقرئ للحاضر ومستشرف للآتي، فحين يستحضر الماضي فإنه لا يسلك في ذلك مسلك الناسك المتعبد بقدر ما يقلب أوراق الذاكرة، ينفض عنها غبار النسيان، بحثا عن إجابات لحاضر ملتبس وأفق مبهم… هو تمرين للذاكرة ودأب الأديب في القبض على جمر الواقع والالتصاق به أكثر.
وفي هذا الشأن، يناقش واسيني التحولات التي يعرفها العالم العربي، وأسس العلاقة بين الأدب والثورات، مؤكدا في قولة بليغة الدلالة «لا يجب تحميل النص الأدبي أكثر مما يحتمل أو أكثر مما يطيق، فالنصوص الأدبية لا تصنع الثورات ولكن تصنع الذهنيات التي تقوم بها». ويستطرد «الفعل الروائي فعل تراكمي وثقافي، ومتجليات هذا الفعل لا تظهر في اللحظة نفسها التي يكتب فيها النص، بل تحتاج إلى زمن معين… فالثورات تأتي لاحقا… والرواية، مثلا، لا تصنع الثورات بشكل مباشر… ففي عمق الثوار يوجد الأدب والثقافة والفلسفة والفكر».
وأحال واسيني الأعرج على الثورة الفرنسية التي نبعت من «فلسفة الأنوار»، التي لم تحرر فرنسا في اللحظة نفسها التي أنتجت فيها هذه الأفكار، بل بعد استيعاب الناس لها.
يقول واسيني الأعرج «لقد أدرجت التاريخ الأندلسي في نصوصي لإيماني بأنه جزء من الهوية الثقافية لبلدان المغرب العربي وتحديدا المغرب والجزائر»، مسجلا أن هذا الميراث «لم يعد ينعكس في ثقافتنا باستثناء بعض تجليات الموسيقى الأندلسية أو الغرناطية، لكن ليس هناك انعكاس في الميراث العمراني، بعد أن هجمت عليه البنايات الإسمنتية». “إن الأندلس جزء من ذاكرتنا وهويتنا»، لذا فرواية «البيت الأندلسي» تطرح في الحقيقة سؤال الهوية. ولا يتخيل الأعرج “من الناحية الرمزية» حداثة مجسدة في عمارات تبنى من فراغ، ف»الحداثة تبنى على جذور»، كما يؤكد «هدمنا هذه الجذور وبنينا «حداثة جدران» لا تأثير لها.

(و م ع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق