fbpx
الصباح الثـــــــقافـي

الأمن الثقافي مطلب المهتمين بواقع اللغة العربية

متدخلون في لقاء بفاس اعتبروا أنه لا يمكن أن يتحقق بالانطواء على الذات وصد الأبواب

اعترف المتدخلون في افتتاح الملتقى الوطني الثاني للغة العربية حول “دور اللغة العربية في حفظ الأمن الثقافي بالمغرب”، المنظم أخيرا بقصر المؤتمرات بفاس، بوجود مخاطر تهدد هذه اللغة والدين والعادات وطرق التفكير والإبداع، ما يفرض صيانة العقل الوطني واحتوائه من الغزو والتبعية الثقافيين، إذ “أصبح توفير الأمن الثقافي، مطلبا ملحا لجميع المهتمين”. وتحدثوا عن تأثيرات ثقافية أجنبية سلبية على الثقافة الأصيلة، نظرا للتقدم في وسائل الإعلام والاتصال، وفي ظل تحديات تفرض تكثيف جهود الرقي بالعربية “لغة الفلاسفة والكتاب ورجال الدين والديبلوماسيين، التي أمضت 1600 سنة من عمرها، وتحتل مراتب مهمة في ترتيب اللغات عالميا، وحظيت باحترام وتقدير كل الأمم والباحثين والمفكرين، لتشكيلها قيمة مضافة لحاملها”.
وأكد المتدخلون أنه رغم أن العربية هي اللغة الرسمية للمغرب بنص الدستور، فإن كثيرا من المسؤولين في المواقع المختلفة عن الأمن الثقافي والاجتماعي، يتنازلون عنها بطواعية واختيار، ويستعملون غيرها من اللغات، ما يصيب السيادة والاستقلال في الصميم، ويمهد لإبعادها عن أغلب مجالات الاستعمال في البلاد، و”بنخرها بالتلويث اللساني الذي شوش على طبيعتها وخصائصها التداولية”.
وأبرزوا أن هذا التلوث امتد إلى الدوارج حتى “صارت لغة الشباب والنشء، خليطا من الهجنة التي لا تفصح عن هوية”، ما زكته بعض وسائل الإعلام السمعية، بداعي تقريب الخطاب إلى عموم المواطنين، مؤكدين أن أمر العربية “صار قضية استراتيجية، لا ترفا فكريا ولا ردود أفعال عاطفية، لأن اللغة ليست مجرد ألفاظ وتراكيب وصيغ، بل مكون من مكونات الأمة”.
وتحدث عبد الحي عمور، رئيس المجلس العلمي المحلي بفاس، عن أن الأمة “تتعرض منذ عدة عقود، لاختراق لغوي وثقافي وديني يهدف إلى تمزيق وحدتها لأغراض تنصيرية واقتصادية واجتماعية توسعية”، مؤكدا وجود خصوم وأعداء ومستلبين من أبناء هذه الأمة، الذين “يعرفون أن إبعادها، وتمزيق الوحدة، يكون من خلال اختراقات ثقافية ولغوية وفكرية”. وأشار في كلمة في افتتاح اللقاء، إلى وجود لهاث لبعض مؤسساتنا وراء المنظمات الفرنكفونية بحجة التفاعل الثقافي الذي “نرحب به ولا ننكره، لكن يجب التعامل معه بحذر مع انعدام القدرات الذاتية والإمكانيات والوسائل ووسائط الاتصال والتأثير، التي تجنبنا كل غزو وهجوم ثقافي حتى لا تتعرض لغتنا إلى الإضعاف بشكل يجعلها لغة تخاطب للعامة، ما يشكل تهديدا لأمنها الثقافي”.
وقال “إن ما نسمعه ونقرأه من ضرورة عولمة القيم والثقافة والحضارة، يندرج في المخططات الهادفة إلى صهر ثقافتنا في النموذج الحضاري الغربي، وسينتهي بنا إن لم نحصن أنفسنا، إلى احتلال العقل العربي الإسلامي وإفراغه من مكتسباته وتعبيد الطريق أمام استراتيجية جديدة للهيمنة والتحكم اللغوي والثقافي في مصير الأمة من خلال استغلال أقليات وقوميات ولهجات”. وأضاف “نرحب بالعولمة اقتصاديا وعلميا، لكنها في الجانب اللغوي، تعني الدمج القسري في قالب واحد لصب العالم في قالب النزعة الغربية”، متحدثا عن أزمة تجتازها اللغة العربية وتهدد هوية الأمة في أحد مقوماتها، وأمننا الثقافي المتداخل، بنظره، مع الأمن الغذائي والحضاري الذي “يعتبر حجر الزاوية في بناء شخصية الأمة، والتفريط فيه، يهدد أمننا العام”.
وتحدث السرغيني الفارسي، رئيس جامعة محمد بن عبد الله، في كلمة تليت نيابة عنه لوجوده في مهمة بالرباط، عن وجود تناقض في الحديث عن الأمن الثقافي الذي “لن يتحقق بصد الأبواب والانطواء على الذات”، يوحي بوجود انغلاق أمام محدودية مبادرات الانفتاح. “وفي ظل الدفاع الانكفائي وواقع العزلة وإضعاف هذه اللغة لنفسها بشكل تحكم فيه على نفسها بالموت التدريجي”.
ودعا لعدم فرض القيود على الناس وإنتاج الثقافة الصالحة القادرة على المقاومة والصمود والاندفاع والفعل المؤثر، قائلا إن “مجتمعنا في حاجة إلى الحفاظ على هويتنا لأنه السبيل الوحيد والممكن للتفاعل الإيجابي مع الثقافة العالمية، لأن اللغة العربية ليست فقط أداة تواصل وتفاهم بل وعاء يحمل المخزون الروحي”، إذ “يصعب أن نكون شركاء حقيقيين، دون امتلاك منظومة لغوية”.
وذكر ستة أسباب لاندثار اللغة، خاصة “طريقة توارثها بين الأجناس، وقلة عدد المتكلمين بها وضعف بنيتهم وطبيعة المواضيع المتناولة واستيعاب المجالات الحديثة ووسائل الإعلام، وانعدام أدوات تعلم اللغة”، في وقت تعتبر العربية واحدة من اللغات المتوقع اندثارها من قبل اليونسكو التي أصدرت لائحة بانقراض 300 لغة خلال القرن الواحد والعشرين، للأسباب المذكورة.
ولم يحضر بعض المسؤولين المدرجة أسماؤهم ضمن المتدخلين في الافتتاح، الذي أعقبته محاضرة افتتاحية ألقاها عبد العالي الودغيري، أستاذ بكلية الآداب بالرباط، في موضوع “أهمية اللغة العربية في تحقيق التنمية الشمولة والأمن الثقافي”، فيما تضمنت الجلسة الثانية، محاضرات خاصة حول “مكانة اللغة العربية بمواقع الشابكة” و”تأهيلها في ضوء التأمين الثقافي بالمغرب”.
وتطرق اللقاء الذي نظمته جامعة فاس بتعاون مع الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية فرع فاس وكلية الآداب سايس والمجلس العلمي، إلى الأسباب التي تحول دون التمكين للغة العربية في بيئتها، إذ نظرت في العوامل الداخلية والخارجية التي تداهمها بالتحديات، وأمعنت في اقتراح وسائل النهوض بهذه اللغة، لتقوم بأدوارها المعهودة عبر تاريخها في مجالات الاستعمال.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى